الحرب السورية وبقاء بشار الأسد على رأس بلد دمره وقتل شعبه وهجر الملايين منه أتاحت لإيران و «حزب الله» توسيع المد الإيراني في المنطقة. فدخول «حزب الله» بميليشياته وأبنائه ليقاتلوا دفاعاً عن بشار الأسد وتهجير سكان مدن سورية بحجة أنهم إرهابيون، وفق ادعاءات نظام أنشأ الإرهاب في بلده والمنطقة، يمثل التهديد الحقيقي للمد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.
منذ إرسال الحزب الشباب اللبناني ليقاتل ويقتل أخوانه السوريين من أجل بقاء النظام السوري كان يحصل على كل ما يريده من مساعدات مالية وعسكرية من إيران. استطاعت إيران أن تسيطر بنفوذها في سورية علماً أن دخول القوات الروسية بقوة دفاعاً عن النظام أتاح أيضاً للمد الإيراني أن يتوسع في سورية. إن روسيا على عكس ما يقال حالياً حليفة إيران في هذا البلد، وليست منافسة، فهي في آستانة مع إيران وتركيا تقرر مصير المدن السورية تحت عنوان تخفيف التصعيد، وفي الحقيقة تعد لمفاوضات مع معارضة فصلتها روسيا وإيران لتعزيز الأسد ونظامه. إن رحيل الأسد هو الرادع للمد الإيراني في المنطقة. فالإدارات الأميركية المتتالية منذ أوباما كرست جهودها لمكافحة إرهاب «داعش» ولم تهتم بمصير سورية. إن حرب «حزب الله» في سورية وتوسع المد الإيراني في العراق منذ إخراج أوباما القوات الأميركية منه مكنت فرض نفوذ قاسم سليماني و «الحرس» الإيراني في البلدين. وتدخل «حزب الله» في الدول العربية من مصر إلى الكويت إلى البحرين وفي اليمن حيث هناك تدريبات للحوثيين، وحيث إيران تمد الحوثيين بصواريخ باليستية لتهديد السعودية، هو تدخل من أجل زعزعة استقرار المنطقة وحماية نظام شن حرباً على شعبه الذي بدأها مطالباً بإصلاحات وحرية. فواجههم الأسد بالقتل والقصف الجوي بالبراميل، ثم بمطالبة إيران وروسيا بإنقاذه. فلا شك في أن رحيل هذا النظام يقطع الطريق للمد الإيراني في المنطقة. ولا شك في أن لبنان دفع ويدفع ثمناً باهظاً لسياسة إيران و «حزب الله» الذي لم يوافق يوماً على النأي بالنفس لهذا البلد الصغير ذات الوضع الهش واقتصاد على شفير الهاوية.
إن إيران لم تقطع يوماً عن حليفها اللبناني المساعدات المالية الكثيفة، على رغم صعوباتها المالية، نتيجة العقوبات وانخفاض أسعار النفط. فكانت باستمرار تمده بالسلاح بوساطة النظام السوري الحليف وتمكنه من دفع الرواتب للشباب اللبنانيين ليذهبوا إلى القتال في سورية. إن الحرب الإسرائيلية على «حزب الله» في ٢٠٠٦ دمرت لبنان ولكنها عززت نفوذ الحزب حتى اصبح بفضل راعيه الإيراني قوة عسكرية مسيطرة في لبنان والآن في سورية. فأسرعت إيران في دعم حليفها اللبناني واستمرت بفضل بشار الأسد في مده بما يريد من سلاح ومال ليبقى القوة المهيمنة بالسلاح والسياسة. ولكن ليس بإمكان لبنان الدخول في حرب أهلية أخرى. ولا يملك الإمكانيات للتصدي للمد الإيراني في المنطقة طالما بقي بشار الأسد في سدة الحكم، وطالما جيوش روسيا وإيران تحميه. إن لبنان لا يستطيع تحمل حرب جديدة وإذا كان ترامب يريد التصدي للتوسع الإيراني، لا يمكن ان يقوم بذلك في لبنان، لأن حليفه الإسرائيلي حاول مرة ودمر البلد على رأس اللبنانيين معززاً قوة حليف إيران فيه. فوضع لبنان بالغ الهشاشة والدقة، إذ إن ليس لأي جهة أخرى في لبنان إمكانيات اليوم للجم تدخل «حزب الله» في سورية وفي اليمن والخليج، لأنه لا يمكن لبنان أن يدخل حرباً أهلية جديدة قاتلة، والتي هي من دون جدوى سوى الدمار والقتل. فمقاومة إيران في المنطقة لن تنجح في حرب جديدة مدمرة في لبنان، بل ينبغي إن تكون بقلب ميزان القوى في سورية والتخلص من نظام بشار الأسد الذي سعى في شكل كبير إلى المد الإيراني في المنطقة.