عندما طرح فلاديمير بوتين في منتدى فالداي يوم 17 الشهر الماضي، فكرة الدعوة إلى «مؤتمر الشعوب السورية»، لم يكن بصدد جسّ النبض حيال مدى المقبولية لهذه الفكرة، بل كان يعرف جيداً أن تفاهمه مع الأميركيين على هذا يكفي بذاته لإطلاق المبادرة!
الدليل، أن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، دعا بعد أربعة أيام على كلام بوتين، إلى ما سمّاه «ضبط الحماسة» حيال هذه الفكرة؛ لأنه من المبكّر الحديث عن كيفية وموعد عقد هذا المؤتمر، ثم فجأة كرّت سبحة التأكيدات والمواعيد دفعة واحدة وبسرعة قياسية في الأيام القليلة الماضية؛ ما يؤكد وفق التقارير الدبلوماسية أن كل شيء يبدو معداً وراء الأبواب الأميركية الروسية المغلقة، منذ الاتفاق على الخطوط العريضة في قمتي هامبورغ بين بوتين ودونالد ترمب.
وهكذا حددت موسكو يوم 18 الشهر الحالي موعداً لانطلاق المؤتمر في سوتشي، على أن ينتقل بعد ذلك إلى حميميم في مراحله المتتابعة، ثم وجّهت يوم الأربعاء الماضي الدعوة إلى 33 منظمة وحزباً لحضور ما سمّته «مؤتمر الحوار الوطني السوري»، بعدما كان تعبير «الشعوب السورية»، قد أثار علامات استفهام واستغراب في سوريا والمنطقة، رغم أن هذه التسمية تتطابق مع الفكرة الأساسية التي ترسخت في ذهن بوتين منذ اليوم الأول لتدخله في سوريا نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، وسبق أن أعلنها تكراراً، وهي أن لا حل في سوريا إلا عن طريق الفيدرالية، وفي خلفية أي فيدرالية تبرز ملامح شعوب في سياق دستور وحدة مفدرلة!
ولم تكتفِ موسكو بنشر أسماء المدعوين على موقع وزارة الخارجية، بل بدت كمن يحدد جدول أعمال المؤتمر، عندما أعلنت أنها «تأمل» في أن يدرس المؤتمر ملامح الدستور الجديد لسوريا، وأن يبحث في الإصلاحات السياسية المحتملة، وقد يكون من الضروري أن نُذكّر هنا بأنه سبق أن وضع سيرغي لافروف مسودة لمشروع دستور جديد لسوريا، سيشكل في رأيي منطلق النص الذي سيجري النقاش فيه!
استعمال تعريف «الشعوب السورية» ربما يفتح الأبواب في نظر موسكو، لشمولية تجمع كل مكونات الشعب السوري، وهو ما يمكن أن يسهّل التفاهم على حل تتفق عليه كل مكونات الشعب السوري، لكن التعابير الروسية ذات الإيحاءات المقصودة طبعاً، لم تتوقف عند «الشعوب السورية»، بل وصلت إلى قول بيسكوف في 21 الشهر الماضي إنه من السابق لأوانه الحديث عن متى وكيف سيتمّ تشكيل «كونغرس» الشعوب السورية... ثم إنه في وجود «مجلس الشعب السوري»، هل يعني «الكونغرس السوري» شيئاً بعيداً عن الانتقال إلى النظام الفيدرالي؟
وإذا كان من المعروف أن موسكو تمسكّت دائماً بمشاركة كل المكونات السورية في تحديد مستقبل سوريا وفي إطار من التوافق العام، إلا أن المثير كان في إعلان بوتين في فالداي، أنه لا يطرح فكرة جديدة، بل على العكس كشف أن نقاشاً جدياً يدور حول تلك الفكرة، ويتناول تفاصيلها ومضمونها وخطوطها العامة، وكرر قوله إنه مقتنع بأن المؤتمر الشامل، الذي يجمع المكونات السورية يساعد في عملية خفض العنف والتهدئة، ويمهد الطريق للاتفاق على حل دائم في سوريا!
مع من يجري النقاش الذي أشار إليه بوتين، النظام وافق فوراً، والأتراك والإيرانيون الذين يشاركون في «آستانة» وافقوا أيضاً، لكن أهم من كل هذا الموافقة الأميركية التي أُعلنت مداورة من خلال محاولة الوفد الأميركي في «آستانة»، دفع معارضي المؤتمر إلى تغيير موقفهم والمشاركة في الاجتماع، وذلك في خلال لقاء جانبي معهم، حيث جرى حضّهم على «الموضوعية» والانخراط في العملية السياسية، والمشاركة بفاعلية في النقاشات، واتخاذ قرارات مصيرية ومهمة للتوصل إلى الحل السياسي.
الموضوعية؟
يبدو الأمر صادماً للمعارضين، ويزيد من صدمته عندما يقال لهم ضمناً تعالوا إلى التفاوض من دون شروط مسبقة، وهو ما يعكس موقف النظام الذي أعلن دائماً أنه يرفض أي شروط مسبقة في أي حوار؛ لأنه من الواضح أنه يحرص على أن يقرر هو نتائجه، وفي هذا السياق أكدت قناة «RT» الروسية، أن الوفد الأميركي أبلغهم أن واشنطن لم تعد تضع رحيل الأسد شرطاً لبدء العملية السياسية، لكنه على سبيل الإيحاء بالتطمين، أبلغهم أن المجتمع الدولي لن يعترف بمنتصر في سوريا، ولن تقوم أي عملية إعمار من دون عملية سياسية ترعاها الأمم المتحدة؟
هل السوريون إذن أمام حل على الطريقة اللبنانية المضحكة المبكية، أي «لا غالب ولا مغلوب»، بعد ستة أعوام من الدم والدمار ولجوء الملايين في الداخل والخارج؟
لا داعي إلى الجواب، لكن دعونا نتوقف قليلاً أمام إيحاءات سيرغي لافروف، الذي يقول إن «مؤتمر الشعوب السورية» يلتقي عملياً مع قرار مجلس الأمن 2254، الذي يدعو إلى مفاوضات شاملة بين الحكومة وكل أطياف المعارضة والمجموعات السياسية والعرقية، بما يعني راوح مكانك حول نقطة ربط مصير الأسد بقرار الشعوب السورية، التي ليس من الواضح كيف ستتم لملمة شظاياها، وإن كان القرار 2254 يعني ضمناً عملية انتقال سياسي عبر انتخابات بإشراف الأمم المتحدة تنهي حكم الأسد، الذي قال ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي قبل يومين بعد اجتماعه مع ستيفان دي ميستورا العائد من «آستانة»: «إن حكم أسرة الأسد في طريقه إلى النهاية»!
لكن كيف؟ والسؤال الثاني كيف سيتفق 1500 شخص، يقول وائل ميرزا، عضو «مجلس سوريا الديمقراطية» إنهم سيحضرون مؤتمر الشعوب السورية، من أين وكيف سينبثق «الكونغرس السوري»، وهل سيكون على طراز الكونغرس الأميركي أو الدوما الروسي، وكلاهما في المناسبة يشكلان صيغة في الدستور الفيدرالي السائد في أميركا وروسيا، وفي هذه الحال ماذا سيحلّ بشعار «الأسد رئيسنا إلى الأبد»؟
أيضاً وأيضاً، من المبكر الجواب عن هذه الأسئلة، لكن الواضح أن موسكو وواشنطن متفقتان على أن «داعش» سيُهزم ويخسر كل مواقعه قبل آخر السنة، وأن مؤتمر الشعوب السورية هو محاولة لوضع بداية الحيثية السياسية لقرار مناطق خفض التوتر الأربع، التي من الواضح أيضاً أنها تؤسس للفيدرالية: الجنوب الغربي، ودولة الساحل، حيث «المجتمع الصحي الأكثر تجانساً» كما سبق أن أعلن الأسد، وإدلب، حيث يجتهد رجب طيب إردوغان لفرض شريط في وجه الأكراد المسيطرين تقريباً من كوباني إلى الرقة ودير الزور، ويريدهم الأميركيون أن يسيطروا على معبر البوكمال لقطع الممر الحدودي الإيراني إلى لبنان، حيث يتقدّم الحشد الشعبي إلى القائم على الحدود العراقية السورية… وكل ذلك ينسجم مع رغبة واشنطن في اقتلاع النفوذ الإيراني من سوريا والعراق، وهذا ما يسرّ قلب بوتين المرتاح في سوريا في غياب «الضُرّة الإيرانية» التي زارها.