هل سيسمح ميشال عون بإسقاط التفاهم ؟
 

بعد مرور حوالي العامين على التفاهم السياسي والمصالحة التاريخية بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر تواجه المصالحة التاريخية بينهما خطرا حقيقيا وجديا لأول مرة منذ توقيع ما عرف حينها ب " تفاهم معراب ". التفاهم الذي نتج عنه قبول الدكتور سمير جعجع بالإنسحاب من المعركة الرئاسية لصالح الرئيس ميشال عون كان بنظر البعض في البداية محاولة قواتية فقط لقطع الطريق أمام وصول النائب سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا بعد ترشيحه من قبل الرئيس سعد الحريري. لكن الأيام أثبتت لاحقا أن التفاهم أبعد من تسوية رئاسية بل هو محاولة لنسيان الماضي بين الطرفين وتكريس المصالحة التاريخية. نجح " تفاهم معراب " في جذب سعد الحريري لخيار ترشيح ميشال عون والتخلي عن فرنجية وأنتج تسويتين: الأولى رئاسية والثانية حكومية. واجه التفاهم أولى تحدياته في الإنتخابات البلدية ونجح جزئيا في قيام تحالفات مناطقية بين القوات والتيار إلا أنه فشل في إثبات نظرية أن الثنائية المسيحية تحتكر وحدها الساحة المسيحية.

إقرأ أيضا : جعجع في ذكرى اعلان اتفاق معراب: تفاهم معراب نقل لبنان من المجهول الى المعلوم ومن التعطيل الى التفعيل

ملفات الحكومة :

وبعد أن تحركت عجلات الحكومة اللبنانية بدأت تظهر تباينات بين الطرفين في بعض الملفات والقضايا كملف البواخر الكهربائية والتعيينات في تلفزيون لبنان. تعامل الوزير جبران باسيل مع مطالب وهواجس القوات بإستخفاف ولم يأخذ بمطالبهم ولم يخض معارك سياسية لأجلهم فبدأت تتسع التباينات بينهما بدءا من قانون الإنتخابات والتسجيل المسبق للناخبين وقضايا أخرى. تعتبر  القوات اللبنانية أن التباين الأساسي الذي حصل مع شخص جبران باسيل هو خروجه عن تفاهم معراب لناحية ما تم الإتفاق عليه من التمسك بسياسة النأي بالنفس وملف التعيينات في الحكومة. وأحد بنود هذا الخلاف أي سياسة النأي بالنفس هي نفسها اليوم موضع خلاف بين جبران وتيار المستقبل بعد لقائه الشهير في نيويورك بوزير الخارجية السوري وليد المعلم دون تنسيق مسبق مع الحكومة. تراكم هذه الملفات الخلافية وأداء الوزير باسيل الإستعلائي والإستفزازي بحسب القوات جعل الدكتور سمير جعجع يحول القضية إلى رئيس الجمهورية لكن بحسب ما سرب من معلومات أن عون طلب من جعجع العودة إلى باسيل والنقاش معه بأي قضية. فهم جعجع الرسالة جيدا وأدرك أن الأمر متفق عليه ومحسوما وشعر بنوع من الغدر والطعن في الظهر كونه كان عاملا أساسيا في وصول عون للرئاسة فبدأت القوات اللبنانية تلوح بالإستقالة من الحكومة خصوصا أن الحريري أيضا لا يجاريها في مطالبها حرصا منه على عدم إغضاب باسيل وتهديد التسوية الرئاسية. وعلى الرغم من التهديد بالإستقالة بقي أداء التيار الوطني الحر  على حاله وإستمر باسيل بتطنيش القوات والإستهانة بحجمها في وقت تقترب الإنتخابات النيابية ولا مؤشر جدي على تحالف إنتخابي قريب ومتين بين الطرفين. هنا تظهر حسابات الربح والخسارة خصوصا في منطقة البترون والحديث عن تحالف ما أو " تهريبة أصوات " من المردة لصالح القوات من أجل كسر جبران باسيل وهذا ما أوحى به النائب سليمان فرنجية بالأمس عندما قال لجريدة " الإتحاد " اللبنانية أنه ربما يلتقي مع جعجع قبل عون بسبب باسيل.

واليوم رد سمير جعجع على كلام فرنجية بخصوص واقعة فيديو ستريدا جعجع  بإيجابية قائلا : " موقف هذه القيادات الزغرتاوية لم يترك المجال لبعض صغار النفوس من تحوير واقعة صغيرة وأخذها إلى مكان آخر بغية تفسيرها بشكل مغاير".

إقرأ أيضا : تفاهم معراب اهتز كثيراً.. فهل سيستمرّ؟

 

 

حرب كلامية مجهولة الأسماء :

لكن جبران باسيل يستمر  في تصعيده عبر رسائل يضخها في الجرائد والصحف بعنوان " مصادر التيار الوطني الحر " على الرغم مما يراه من تقارب بين خصميه . بالأمس تحدثت مصادر في التيار الوطني الحر لجريدة " الجمهورية " عن العلاقة مع القوات بلغة عامية ومتوترة ومتشنجة.

فقالت تلك المصادر : " ما حدا جايي يشمَت فيهن أو يقلّن إستقيلوا وفِلوا عنّا، وما حدا ناوي يصَعِّد بالعلاقة مَعُن ، صحيح هناك تباينات لكن ما حَدا يصبّ الزيت على النار، ما في نيّة بالتصعيد عنّا لكن بالوقت نَفسو العلاقة لازم تِتركلَج، مش إنّو يْنِقُّوا عَ كل شَغلة متل الوَلد اللي بيقَشّطوه لعبة فبيصير يبكي. بَدّن يوعو، ما فينا نكَمِّل هيك. مش بكل شَغلة بنقول مراجَعِة العلاقة وبِكِي وبِكِي وبِكِي، خَلص. في هامش موجود لرئيس الجمهورية عليهن يتقَبّلوه. كمان عليهن يتقَبّلوا إنو نحنا وهِنّي حاليّاً مش بنَفس الأحجام والموقع حتى كل شغلة بَدّن ياها، عِلماً إنّو نحنا احتَرمنا هالشِّي في الحكومة، بس ما فينا نلغي أن هناك رئيس جمهورية اليوم عُرفاً وموقعاً بيطلعلو غَير حصّة الكِتَل، وإلو إعتباراتو بكل شي. فإذا تخَطّوا هذه القصة بتصير الأمور أحلى، وإذا رح يضَلوا يتبَكبَكو عَ كل شغلة فما رح يمشي الحال". وأضافت تلك المصادر بحسب " الجمهورية " " ما حَدا بدّو يعيد النظر لا بالتفاهم ولا بالعلاقة، لكن هذه علاقة بَدها شوَيّة ترِكلُج وبَدها القوات تِنتبِه ع شَغلة: ما بيسوى ترجع تِخلَق جَو سلبي على قواعدها. هِيّي مَسؤولِة عن تغذية هذا الجو. التيار ما عم بيجيب سيرة القوات، هيّي كل الوقت نَازلِة بَخّ، بَخّ، بَخّ، ساعة تبِخّ جَوّ غير إنو في الحكومة نازلة فينا، بتبِخّ جَو بالإعلام إنّو العلاقة مش منيحة. هالحَكي ما عم يطلَع منّا، عم يطلَع مِن عندن. تضخيم المظلومية لازم  القوات  توَقّفو شوَي، وكمان توَقّف تِلعَب دور الضحية، هيدي ما عَم تِخدُم العلاقَة مَعُن ".

إقرأ أيضا : لهذه الأسباب يستمر فرنجية بعد تفاهم معراب هذا الكلام التصعيدي من قبل مصادر التيار قابله رد اليوم من مصادر قواتية لنفس الجريدة قالت" أن العلاقة بينهما ستبقى تحت سقف المصالحة وتفاهم معراب، إلّا أنّ علاقة  القوات بالوزير جبران باسيل ليست بخير، بسبب الخلاف في القراءة لمضمون التفاهم بين باسيل الذي يُسطِّح الأمور ويبسطِّها ويصوِّر الأزمة المستجدة على غير حقيقتها من خلال الإيحاء أنّ كل الأزمة تنحصر بالحصة التي تريدها  القوات ، فيما الأمور هي خلاف ذلك تماماً وتتصل بخروج باسيل عن جوهر تفاهم معراب في نقطتين أساسيتين: الأولى، إجتماعه مع وزير الخارجية السوري في خطوة تُخرج العهد ولبنان الرسمي عن سياسة النأي بالنفس والثانية تتصل بالآليات المعتمدة على مستوى الحكومة، والتي لا تأخذ في الإعتبار الدستور والقوانين المرعيّة، وتُبدّي المعيار الزبائني على معيار الكفاءة والجدارة "وأوضحت المصادر " أنّ المستفيد الأول من مقاربة  القوات هو العهد، لأنّ الناس تتذكر وبشكل أساسي من عهد الرئيس فؤاد شهاب المؤسسات التي أنشأها وساهمت في قيام دولة المؤسسات، وليس تعيين فلان وعلّان لإعتبارات مصلحية وإنتخابية ". ولا شك أن الحرب الكلامية وتبادل الرسائل تقدم صورة شاملة لحجم الخطر الذي يواجهه " تفاهم معراب " اليوم.

إقرأ أيضا : رياشي : ترشيحنا لعون ليس مؤامرة ضد أحد في ضوء هذا الكلام  لا بد من القول أن القوات تحاول جاهدة تصوير الخلاف القائم على أنه مع باسيل وليس العهد وحصره في نقطتين أساسيتين وهما النأي بالنفس والملفات الحكومية. أما التيار أو بالأحرى جبران باسيل فواضح أنه لم يعد يهتم بالتفاهم ويعتبر أن الهدف الجوهري منه قد تحقق وهو إيصال عون للرئاسة. والواضح اليوم أن " أوعا خيّك " وهي الأغنية التي أطلقت حينها بمناسبة التفاهم وعبرت عن حالة الوئام والوفاق بين الطرفين أصبحت من الماضي هي والحالة التي تعنيها. فهل سيسمح ميشال عون بإسقاط التفاهم ؟ أو أن مرحلة ما بعد الإنتخابات ستقلب موازين القوى لصالح القوات ؟