شعارات النأي بالنفس وتبريرات الإنخراط في الحروب الإقليمية ليست أكثر من عناوين تحجب خلفها مساوىء النظام الديمقراطي اللبناني
 

من العبث وربما من السخافة التشبث بمقولة النأي بالنفس  ومحاولة ترجمتها على أرض الواقع تبعا لمصلحة كل فريق سياسي وحسب ما يقتضيه مشروعه الخاص.
 وكذلك فإنه من الخطأ بل من الأخطار الجسيمة ربط البلد بمشاريع خارجية والإنخراط في أزمات ومشاكل دول الجوار والإنزلاق في حروب ومعارك تفضي إلى ترددات سلبية تلقي بظلالها على الواقع الداخلي وتزيد من الخلافات ومساحات التباعد بين الأطراف السياسية والحزبية المتحكمة بمفاصل السلطة. 
ومع إستمرار البراكين والزلازل المتفجرة المحيطة بلبنان ومع غياب أية حلول أو تسويات لأزمات دول الجوار التي تشهد حروبا مدمرة في أفق المنطقة، فإنه من الطبيعي أن يعيش اللبنانيون حالة من الهلع وتنتابهم الهواجس من إنتقال شرارة هذه الحروب إلى الساحة الداخلية في ظل الأوضاع السياسية والإقتصادية والمالية والمعيشية المتردية والضاغطة على تفاصيل حياتهم اليومية والتي غابت وسائل معالجتها وإيجاد الحلول الناجعة لها عن الجلسات النيابية والوزارية وعن إهتمامات المسؤولين وعن الدوائر والأجهزة المعنية بمعالجتها. 

إقرأ أيضا : متحرشون يلاحقون ليال في الشارع وروى تعرضت للتحرش في مسبح عام!!
وما يزيد من إحباط اللبنانيين هو ضياع الفرص التي أتيحت لأركان الحكم في هذه المرحلة والذين يتمتعون بزعامات تعتبر  الأقوى في قيادة طوائفها وربما من دون وصاية خارجية للإنتقال بالبلد من حالة عدم الإستقرار وفقدان التوازن إلى بر الأمان وقيام دولة المؤسسات والقانون،  دولة العدالة والدولة التي تحارب الفساد بكل أشكاله وتحد من منظومة هدر المال العام ،دولة الأمن والإطمئنان إلى المستقبل ، دولة المشاريع الإنمائية ودولة الإنماء المتوازن. 
لكن ما يجري على أرض الواقع هو تقاسم مغانم ومقدرات وعائدات الدولة بين القوى السياسية الحاكمة وهو المحاصصة الطائفية والحزبية الضيقة في كل الإتجاهات وعلى كافة المستويات، الأمر الذي يسيء إلى الواقع الذي يتم الإيحاء به. 
ومما يزيد من معاناة اللبنانيين وآلامهم أن الإنتقادات والإتهامات التي أثارها النواب خلال جلسات مناقشة الموازنة بدت وكأنها موجهة إلى مسؤولين في بلد آخر وليس بلدهم ، فيما هي في الواقع تطالهم هم أنفسهم. 
إذ أن كل ما يجري في البلد من إنتهاكات ومخالفات للدستور والقانون، إنما يرتكب على مرأى منهم وتحت أنظارهم ، وفي الغالب هم من يجتهدون لإيجاد المبررات الشرعية والقانونية لتمريرها بعيدا عن المحاسبة ، وبالتالي فإن توافق الأطراف السياسية في البلد يسمح بتمرير هذه الإرتكابات تحت سقف التسوية السياسية وتفاهمات الأفرقاء التي لا يجوز الإخلال بها وفرطها. 

إقرأ أيضا : عُقاب صقر ... التسوية الرئاسية بخير، والبلد بألف خير، وأُمُّ الصبي راضية
ففي ظل ما يسمى بالديمقراطية التوافقية ضاعت المسؤوليات وغابت المحاسبة والمساءلة ، فمن يسأل من؟ ومن يحاسب من؟  والكل متورط في الفساد. وتسمية الديمقراطية التوافقية هي بدعة من إبتكار الطبقة السياسية الحاكمة  وهي تلطيف لكلمة التسلط التوافقي الذي يجيز قمع الأصوات المعارضة وتجاهلها وتجاوزها، فالغلاف ديمقراطي لكن المضمون تسلطي وديكتاتوري وهي عمليا تواطؤ القوى السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية على تقاسم المصالح والنفوذ على حساب مصلحة الوطن. 
فتحت عنوان الديمقراطية التوافقية تهرب الجميع من المسؤولية خلال جلسات إقرار الموازنة وتم تمرير الصفقات المشبوهة والتجاوزات والهدر والفساد والإتهامات والرشاوى والسمسرات ، سيما وأن الذين يناقشون الموازنة في المجلس النيابي هم أنفسهم في مجلس الوزراء وتم تجاوز عمل المؤسسات والإدارات وإنتهاك القوانين المرعية وإستباحة الدستور. 
وعليه فإن شعارات النأي بالنفس وتبريرات الإنخراط في الحروب الإقليمية ليست أكثر من عناوين تحجب خلفها مساوىء النظام الديمقراطي اللبناني الذي يكرس وجود هذه الطبقة السياسية الفاسدة في الحكم واستمرارها في السلطة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.