حلّ علينا شهر الله المحرم، وحلّت معه الذكرى الأليمة، التي ما زالت الأمة تعاني تبعاتها، ذكرى مذبحة آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكربلاء، ومقتل سيد شباب الجنة، سبط رسول الله وريحانته، الإمام الشهيد سيدنا الحسين بن علي، عليه وعلى آل بيت رسول الله السلام.

تحل الذكرى، ويحل معها إحياء الحديث عن مشروعية القومة والخروج في وجه الحاكم.

ما مدى مشروعية القومة والخروج ضد الحاكم الظالم المستبد؟ ما موقف السلف الصالح من قومة الحسين وذريته من بعده؟
في مقابل فقه الطاعة المطلقة لـ"ولي الأمر"، وتحريم الخروج عليه وتجريم الخارجين القائمين بالحق، نجد فقه القومة على الظلمة الجائرين المستبدين.

فما موقف فقه القومة من الخروج على الحاكم المتسلط؟

رسم الخط الفاصل بينهما ضروري لرسم خارطة طريق القومة ضد الحاكم الجائر، خاصة حين نجد من فريق فقه طاعة "ولي الأمر"، مَن يحاول أن يقنع الناس أن لفظ الملك الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك"، لا يعتبر إلا تنوعاً في أسماء الحاكم "ولي الأمر".

فما الفرق بين الملك والخليفة؟

أخرج ابن سعد في الطبقات أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لسلمان: "أمَلِكٌ أنا أم خليفة؟"، فقال له سلمان: "إن أنت جبـيت من أرض المسلمين درهما أو أقلَّ أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه، فأنت ملك غير خليفة! فاستعبر (بكى) عمر". وأخرج أيضاً عن عمر أنه قال: "والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك! فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المؤمنين! إنَّ بينهما فرقاً. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعْسِف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا".

معيار واضح كان لدى الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- جعلوه حداً فاصلاً بين حاكم شرعي وحاكم مغتصب، وكل منحوه لقباً يعبر عن مضمون حكمه. سموا الحاكم الشرعي خليفة، وللكلمة مدلولها القرآني والمنهاجي، ووصفوا الثاني بالملك، وللكلمة مدلولها القرآني والمنهاجي أيضاً.

لم يكن الصحابة يتخيلون أن الخيانة يمكن أن تتجاوز التعسف في الأموال إلى اللعب بالدين؛ لذلك أعطوا هذا المعيار الساذج الذي يشتمل في الحقيقة على دراية بموطن الضعف في البشر: حبِّهم للمال.

فما العمل أمام هذا الجور؟ نقل ابن حجر عن الداودي أنه قال: "الذي عليه العلماء في أمراء الجَوْر أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر".

روى أبو هلال العسكري في كتاب "الأوائل" أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما عزل سعدَ بن أبي وقاص، بطلب من الرعية، خطب فيهم فقال: "إني عزلت عنكم سعداً، فأخبروني: إذا كانَ الإمام عليكم يمنعكم حقوقَكم، ويُسيء صحبتَكم ماذا تصنعون؟"، قالوا: "إن رأينا خيراً حمدنا الله، وإن رأينا شرّاً صبرنا". فقال عمر: "لا والله لا تكونون شهـداء في الأرض حتى تأخذوهم في الحق كأخذهم إياكم فيه، وتضربوهم على الحق كضربهم إياكم عليه، وإلا فلا".

كان العلو في الأرض والاستكبار على العباد أهمَّ ما حذر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قادة الأمة. عاشت الأمة حتى ظل هذه الوصية النبوية الخالدة، ثلاثون سنة، حتى تسلط السيف على رقاب الأمة، فعاث فيها فساداً.

وضد التسلط على الأمة، تحرك القائمون والمصلحون غضباً لله -عز وجل- على من أضاعوا الدين، ونُصرةً للمظلومين المستعبَدين.

كان أول القائمين بالحق الإمام الحسين، عليه السلام؛ إذ لما تولى يزيد بن معاوية الأمر عن بيعة كان فيها الإكراه، وكان شاباً لعوباً طائشاً متهـوراً، فلم يكن بُدّ من أن ينهض السبطُ الزكيُّ الطاهر لمقاومة الفاسق العِربيدِ.

قال الذهَبيُّ عن يزيـد: "كان ناصبياً فظـاً غليظاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، افتتح دولته بقتل الحسين".

نبذَ علماء المدينة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم بيعة يزيد، فسلط عليهم مُسلِمَ بن عقبة، فاستباحها، وقتل منهم أكثر من ثلاثمائة رجل، وحملتْ نساء المدينة ألْفَ جنين من فُجور عسكر يزيد. وثالثة جرائمه بعد قتل الإمام واستباحة المدينة غزوُهُ الكعبة بالمنجنيق لما قام عليه عبد الله بن الزبير.

بعد قومة الإمام الحسين عليه السلام، كانت قومة الإمام زيد بن علي. في أيامه وصلت دولة الجباية والقهر ذروةً من العتو، وسَفُلَتْ في الأخلاق آخرَ دَرَكَةٍ. فغضب زيد عليه السلام، وقام ضد هشام بن عبد الملك سنة 121، وناصره الإمام أبو حنيفة وقد كان تتلمذ له.

كتب الإمام زيد إلى تلميذه أبي حنيفة يطلب إليه أن يفد عليه ليقاتل إلى جنبه. فأجاب أبو حنيفة: "لو علمت أن الناس لا يخذلونه، ويقومون معه قيام صدق، لكنت أتبعُه، وأجاهُد معه من خالفه؛ لأنه إمام حق، ولكني أخاف أن يخذلوه كما خذلوا أباه (يعني جده الحسين عليه السلام)، لكني أعينه بمالي فيتقوَّى به على من خالفه".

خذلت العشائر الإمام زيد، فقتل ودفنَه أصحابه سراً، ثم نَبَش عنه هشام بن عبد الملك فصلب جثته عرياناً.
بعد الإمام زيد، قام الإمام إبراهيم أخو الإمام محمد النفس الزكية، ضد المنصور العباسيّ.

كان أبو حنيفة يحُثُّ الناس على الخروج مع إبراهيم أخي النفس الزكية، وأفتى بأن الخروج معه أفضل من الحج النّفل خمسين أو سبعين مرة. ونهى أبو حنيفة تلميذه أبا قحطبة -وكان قائداً من قواد جيش بني العباس- عن محاربة النفس الزكية، فكان مذهب أبي حنيفة في القومة أنها واجبة إذا كان القائم عدلاً رِضى وتوفرت له أسباب النصر.

قال الناس للإمام مالك لما قام الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية: "إن بيعة المنصور في رقابنا، فكيف نخلعها ونبايع غيره". فأفتى ببطلان بيعة العباسيين، وأعلن أنَّ بيعة المكره لا تجوز، فجلده والي المدينة جعفر بن سليمان وهُدَّتْ يده حتى انخلعت كتفه.

"خرج مع إبراهيم كثير من العلماء، منهم هشيم، وأبو خالد الأحمر، وعيسى بن يونس، وعبَّاد بن العوام، ويزيد بن هرون، وأبو حنيفة، وكان يجاهر في أمره ويحث الناس على الخروج معه، كما كان مالكٌ يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد، وقال أبو إسحاق الفَزاري لأبي حنيفة: ما اتَّقيتَ الله حيث حثَثْتَ أخي على الخروج مع إبراهيم فقُتِل؟ فقال: إنه كما لو قتل يوم بدر! وقال شُعبة: والله لَهيَ عندي بدرٌ الصغرى".

رحم الله علماءنا الأبرار، بما تمسكوا بالكتاب وبما أمروا بالمعروف وبما نهوا عن المنكر، وبما وقفوا في وجه الظَّلَمة، الذين استلوا سيوفهم على رقاب الأمة، فسفكوا الدماء، وهتكوا الأعراض، ونهبوا الأموال، ببيعة الإكراه وبدعة توريث الملك.