المخزي والمعيب حقا يتمثل بملاحقة الأجهزة المعنية والسلطات المختصة لمن سرق رغيفا لتقويت عياله فيما تصاب بالعجز عن ملاحقة الكبار من اللصوص
 

الكلام عن الفساد في بلدي أصبح من الترف الإعلامي وتكاد لا تخلو وسيلة إعلامية دون أن تتناول على صفحاتها حدث تفوح منه رائحة الفساد من خلال صفقة مشبوهة أو رشوة أو سرقة للمال العام ءو سمسرة أو إستغلال للمنصب.  يتورط فيها مسؤول هنا أو مدير هناك ونائب هنا أو وزير هناك وموظف هنا أو عامل هناك لدرجة أن الفساد غزا واستوطن كافة المؤسسات والإدارات والأجهزة بكل تنوعاتها واختصاصاتها وعلى كافة المستويات.  والفساد لا يعني فقط الفاسد الذي يرتكب عملا مشينا بل أن المشارك في الفساد هو فاسد والساكت عن مرتكب الفساد هو فاسد  والذي يتقاعس عن القيام بوظيفته لمحاكمة المفسدين  هو فاسد  والأجهزة التي تغض الطرف عن ملاحقة المتورطين في الفساد فهي فاسدة.  والسكوت عن المفسدين له أثمان قد تكون سياسية أو تبادل مصالح أو أي شيء من هذا القبيل  وثمن السكوت عن الفساد أخطر من الفساد بكثير وأسوأ من الفساد نفسه.  وبهذا المعنى فإن كل أركان الحكم وكل الممسكين بمفاصل السلطة  ودون إستثناء وعلى إختلاف الإنتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والولاءات السياسية والحزبية متورط في الفساد  وإن بنسب متفاوتة إنسجاما مع المتنبي في قوله :"  على قدر أهل العزم تأتي العزائم وعلى قدر الكرام تأتي المكارم " فكل حسب موقعه وقدره في الحكم يكون حجم الصفقة أو الرشوة.  وعلى رغم التناقضات والإختلافات والحملات الإعلامية المتبادلة والإرتباطات الخارجية المتنافرة ومستوى الخطاب السياسي الهابط الذي يحكم العلاقات بين أركان السلطة قاطبة إلا أنهم متفقون جميعا على الإنغماس في الفساد  والسكوت عن بعضهم البعض في إستغلال المناصب ومواقع السلطة وتمرير الصفقات المشبوهة والسمسرات دونما إعتراض من أحد ودون توجيه أصابع الإتهام لأي متورط في جريمة الفساد ودون أن يرتفع صوت يشير إلى مكامن الخلل وأصحابه وأبطاله والمتجاوزين لحدود القانون. 

إقرأ أيضًا: إعمار سوريا والرئيس الأسد وتبدو ملامح الفساد والإخلال بالدستور والقوانين جلية من خلال الثروات الباهظة والأرصدة الخيالية  والأرقام الفلكية للحسابات في المصارف والبنوك ومظاهر الغنى الفاحش والمشاريع والإستثمارات والعقارات والبنايات الشاهقة والحياة المترفة التي يعيشها كل من دخل جنة الحكم وتولى منصبا صغيرا كان أم كبيرا وامتطى صهوة المسؤولية.  وإن أحدا لا يستطيع الإدعاء بأنه حمل ميراث أهله معه إلى الوظيفة أو جاء بثروة أبيه ليتنعم بها وهو يمارس صلاحياته في السلطة  بل على العكس فإن المشهد يتيح لكل مراقب أن يرى بوضوح كيف يأتي المسؤول جوعانا ومتلهفا ومنبطحا ويذهب شبعانا ومترفا ومتخما ومنفوخا بأموال الشعب ومزركشا بالذهب والفضة.  والطريف أن هؤلاء المتشبثين بمواقع السلطة والغارقين في بحور الفساد والإستهتار من رؤوسهم حتى أخمص أقدامهم والذين أوصلوا البلد إلى حافة الإنهيار وأغرقوه في مديونية لا قبل له على تحمل أعبائها فإنهم وخلال إطلالاتهم الإعلامية وتصاريحهم وصراخهم على المنابر ينتقدون ويتهمون ويلقون باللوم على دولة هم أركانها ومثلهم في ذلك مثل العاهرة التي تحاضر بالعفة.  على أن المخزي والمعيب حقا يتمثل بملاحقة الأجهزة المعنية والسلطات المختصة لمن سرق رغيفا لتقويت عياله  فيما تصاب بالعجز عن ملاحقة الكبار من اللصوص ومسببي هدر المال العام لأن هؤلاء يحتمون بقوى سياسية وحزبية تضعهم خارج المحاسبة وفوق القانون  والسلطات القضائية تتحرك لملاحقة من يحاول التعبير عن رأيه سلميا أما الملطخين والمنغمسين في ملفات الفساد فهم خارج أي ملاحقة أو محاسبة أو محاكمة.