هل حقا هناك أزمة مالية تعاني منها خزينة الدولة وتجعلها عاجزة عن دفع حقوق موظفيها في القطاع العام ؟
 

" الدولة معها مصاري كتير " هي عبارة قالها أحد أعضاء المجلس الدستوري بعد صدور قرار الطعن بقانون الضرائب رقم 45/2017 المقدم من حزب الكتائب اللبنانية برئاسة النائب سامي الجميل. لعل للعبارة دلالات كبيرة جعلت الشعب اللبناني يتوقف عندها ويتساءل عن سر العشوائية التي تمارسها الطبقة السياسية منذ سنوات مع ملف الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب. فالقضية منذ أعوام تعتبر مادة أساسية في الإعلام والصالونات السياسية وخضعت لنقاشات ودراسات عديدة حتى الإتفاق عليها في العام 2017 وإعادة الطعن بها من قبل المجلس الدستوري منذ أيام. هل السبب ما يشاع عن لوبي المصارف اللبنانية وضغوطاته على السياسيين ؟ أو حقا أن هناك أزمة مالية تعاني منها خزينة الدولة وتجعلها عاجزة عن دفع حقوق موظفيها في القطاع العام ؟ أم أن الأمر سجال سياسي آخر في لبنان على مبدأ " النكايات " وعلى الطريقة اللبنانية ؟ أسئلة كثيرة أثارتها عبارة عضو المجلس الدستوري  ولا بد من التوقف عندها.

إقرأ أيضا : المجلس الدستوري أبطل قانون الضرائب بكامله وبإجماع كامل الأعضاء

كنعان بق البحصة:

وفي أول رد على طعونات المجلس الدستوري قال رئيس لجنة المال النائب إبراهيم كنعان أنهم كتيار " قدمنا في لجنة المال البديل عن العديد من الضرائب لتمويل السلسلة من خلال وفر  بقيمة  1004 مليار وهي برسم المجلس النيابي " وتم ذلك بحسب كنعان من خلال " ضبط الإنفاق ووقف الهدر ... والضرائب على المصارف والاملاك البحرية والشركات الكبرى ضرورية وهناك 1200 مليار للسلسلة يجب تأمين التمويل لها ". هذا الرقم يضاف إليه 800 مليون $ دفعتها المصارف كضرائب إستثنائية عن الهندسة المالية التي قامت بها ما يؤمن تمويلا للسلسلة لحوالي سنة ونصف مع فائض بالخزينة والبالغ قيمتها 1242 مليار ليرة. إذا ، فالأموال مؤمنة لتمويل السلسلة من دون الحاجة لفرض ضرائب إضافية على الطبقة الوسطى والفقيرة. لكن هذا الرأي يواجه بأن هناك نفقات للدولة غير السلسلة كخطة الكهرباء الإنقاذية وما يترتب عليها من دفعات لتكاليف البواخر مع نفقات أخرى ، وهذا يعني أن الدولة حكما بحاجة إلى مصادر لعوائدها " ضرائب " وإلا ستضطر إلى الإستدانة  بمعدل 100 مليون $ شهريا بحسب ما قال البروفسور جاسم عجاقة لجريدة " النهار " وبالتالي سينخفض التصنيف الإئتماني للبنان.

إقرأ أيضا : القطاع المصرفي في مواجهة الضرائب: ظالمة ومُضرّة

 طعن المجلس الدستوري :

وعودا إلى طعونات المجلس الدستوري بقانون الضرائب فإننا نلحظ أولا أن الطعن طال قانون الضرائب رقم 45/2017 ولم يتم الطعن بقانون السلسلة رقم 46/2017 وبالتالي النقاش ينحصر في الضرائب. أما المخالفات الدستورية والقانونية التي وقع فيها مشرعو قانون الضرائب  وطعن فيها المجلس الدستوري  فهي التالية: 1- مخالفة المادة 36 من الدستور اللبناني حول آلية التصويت على القوانين حيث أنه لم يحصل مناداة بالأسماء عند التصويت عليه. وتنص هذه المادة على ما يلي: " تعطى الآراء بالتصويت الشفوي أو بطريقة القيام والجلوس إلا في الحالة التي يراد فيها الإنتخاب فتعطى الآراء بطريقة الاقتراع السري. أما فيما يختص بالقوانين عموما أو بالاقتراع على مسألة الثقة فان الآراء تعطى دائما بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال ". 2- مخالفة المادة 83 من الدستور عندما تم تحديد وجهة وهدف الضرائب  ( مبدأ الشيوع ) وهو كما نص عليه القانون المطعون فيه بأنه لأجل تمويل السلسلة . كذلك عدم إقرار قوانين ضرائبية إلا من ضمن الموازنة العامة والتي تتضمن نفقات وإيرادات الدولة عن السنة الكاملة الواحدة والمقبلة ( مبدأ الشمول ). أيضا تم إشتراط  إقرار  الضرائب وإدراجها في الموازنة التي تجيز الإنفاق للدولة لسنة واحدة ( مبدأ السنوية ) والضرائب التي أقرت تمت من خارج الموازنة الغائبة منذ عام 2006 حيث جاري العمل من حينها بالقاعدة الإثنا عشرية المخصصة لشهر فقط وهي يجب أن تكون  سنوية وهنا فتح لإشكالية دستورية أخرى عن شرعية دفع الضرائب والحسابات المالية من خارج الموازنات من العام 2006 وما يستوجبه ذلك من إقرار للموزانة العامة وقطع الحسابات. وتنص المادة 83 على ما يلي: " كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بندا بندا ". 3- مخالفة المادة 7 والفقرة " ج " من الدستور اللبناني لناحية تكريس الإزدواجية الضرائبية وفي هذا المجال وجد المجلس الدستوري أن الإزدواجية الضرائبية تنطبق بالفعل على المهن الحرة ولا تطال المصارف ، كذلك سجلت مخالفة دستورية بالمادة 11 من قانون الضرائب المتعلق بتسوية الأشغال الغير قانونية للأملاك البحرية بسبب الغموض في نص المادة ما يفتح التأويلات على تفسيرات مزاجية للمادة. وتنص المادة 7 على ما يلي: " كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون ما فرق بينهم ". وتنص الفقرة " ج " من الدستور على ما يلي : " لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية ، تقوم على احترام الحريات العامة ، وفي  طليعتها حرية الرأي والمعتقد ، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل ". وتشير المادة والفقرة الدستورية إلى مبدأ المساواة الذي لم يتحقق في قانون الضرائب وخلق حالة الإزدواجية الضرائبية.

إقرأ أيضا : بعد تعليق الضرائب... لماذا لم تتوقّف كلّ الوزرات عن تحصيلها؟

 

 

الإلتباس الذي حصل :

وفور شيوع خبر قبول الطعن، ذهب العديد من اللبنانيين إلى إعتبار الموضوع على أنه مكسب للمصارف اللبنانية أو ما بات يعرف ب " لوبي المصارف " أو " حيتان المال " كما يحلو للبعض أن يسميهم. لكن الطعن الدستوري وخصوصا بما قيل عن الإزدواجية الضرائبية لم يطال الضرائب على المصارف بل طال الإزدواجية الضرائبية التي تحققت في حالة المهن الحرة فقط. وبالتالي فعند إعادة مناقشة الموضوع في المجلس النيابي لن يتغير شيء بموضوع الضريبة على المصارف كون المشرع لم يخالف  الدستور في ذلك بل سيتم نقاش وتعديل الضريبة المتعلقة بالمهن الحرة كون حالة الإزدواجية الضرائبية تحققت فيها. ويقول المحامي نزار صاغية  لجريدة " الأخبار " أن القرار " قد ينطوي على تقديم خدمة للمصارف والمطورين العقاريين والهيئات الإقتصادية لناحية تأخير جباية الضرائب التي فرضت عليهم إلا أنه أقر بإمكانية فرض ضريبة على فوائد المصارف ووضع السلطة أمام مسؤولية إقرار الموازنة لإعادة الإنتظام إلى المالية العامة وهو الأهم ". إذا، المكسب الذي حصلت عليه المصارف هو  كسب الوقت أي تأجيل دفع الضرائب حتى يتم الأخذ بقرارات الطعن من قبل الحكومة و المجلس النيابي وبالتالي من الآن فصاعدا لم يعد بإستطاعة المجلس النيابي ولا الحكومة إلا إقرار القوانين الضرائبية من ضمن الموازنة العامة وإجراء قطع حساب وهذا ما قد يعيدنا إلى المربع الأول حيث النزاع القديم بين حركة أمل والتيار الوطني الحر على أولوية الموازنة أو السلسلة ما قد يأخذ وقتا طويلا من الجدالات والنقاشات التي ستستفيد منها المصارف من دون دفع الضرائب .

إقرأ أيضا : زيادة الضرائب على المشروبات الروحية المستوردة 500% ضربة قاضية للقطاع

قطب مخفية:

وتساءل مراقبون حول السبب الذي جعل المجلس الدستوري يجتمع ويطعن بإجماع أعضائه ال 10  هذه المرة بقرارات لقوى سياسية من دون أن يتم تعطيل إجتماعاته وربط البعض هذا الشيء بقطب مخفية وبمؤامرة تحاك ضد أصحاب الحقوق. لكن هناك أسباب قد تكون كافية لطمأنة هواجس هذا البعض وتجيب عن تساؤلاتهم وهي أن ليس من مصلحة القوى السياسية على أبواب الإنتخابات أن تظهر بشكل الداعم لهذه الضرائب في ظل رأي عام معارض لها كذلك فإن الإزدواجية الضرائبية كانت مخالفة للدستور بشكل فاضح ويضاف إلى ذلك أن آلية التصويت كانت " سقطة " لا يمكن المرور عنها مرور الكرام في ظل تقارير وتحقيقات يومية تغذي الرأي العام بهذا الكم من التناقضات والمخالفات الموجودة في قانون الضرائب فاختارت السلطة القبول والخضوع وعدم التدخل بقرارات المجلس الدستوري وحصل ما حصل وبالتالي لا يوجد قطب مخفية بالموضوع ولا مؤامرة.

إقرأ أيضا : هذه هي طعونات المجلس الدستوري بقانون الضرائب

المرحلة المقبلة:

أما المرحلة المقبلة فتستوجب العمل على إيجاد تمويل سريع لسلسلة الرتب والرواتب التي أعدت وزارة المالية قبل الطعن  جداول الرواتب لها ويجب أن تدفعها في آخر شهر أيلول والذي إعتبرها وزير المالية علي حسن خليل أنها أمر صعب ومعقد. وبعد الطعن ستختلط الأمور وسيتوجب على الحكومة إيجاد مصادر تمويل لهذه السلسلة خصوصا أن المجلس النيابي بعد الطعن أصبح لزاما عليه إقرار القوانين الضرائبية من ضمن الموازنة وهذا ما قد يستدعي العودة إلى موازنة ال 2017 الموجودة لدى المجلس وتضمين القوانين الضرائبية ضمن الموازنة بعد الأخذ بموجب ملاحظات المجلس الدستوري. لكن هناك عائق آخر وهو قطع الحسابات وهي مشكلة مالية معقدة تستوجب المزيد من العمل أيضا لحلها. وعليه، فإن ما بعد مرحلة طعن المجلس الدستوري ليس كما قبلها، بمعنى أن زمن إقرار القوانين والتشريعات المالية من خارج الموازنة وعلى قاعدة الإثنا عشرية قد ولى، وهذا أجمل ما في الطعن، كونه إصلاح إستراتيجي لمالية الدولة ولو بان الأمر على أنه إنتصار تكتيكي للمصارف. طبعا في حال صدقت النوايا .