هل الخارج يوظّف الداخل لمصالحه أم أن الداخل يستدرج الخارج لتقوية هذه أو تلك من الفئات السياسية أو الطائفية؟ الأمران معاً يحدثان في بلاد عجزت عن تكوين دولة حديثة. وها أن سورية تبدأ ولادتها الثانية بعدما استكمل المجتمعون في آستانة، برضى إقليمي ودولي، رسم مناطق خفض التصعيد الأربع بضم إدلب إليها. ولادة ثانية، ولكن مرهونة بقوى خارجية تضبط حراكها السياسي لئلا تتجدد معارك عبثية تهدم ما تبقى، باسم معارضة لنظام أو لتثبيت سيطرة نظام: لا استقلال لأحد، خصوصاً للمجتمعات المترهّلة والموهومة والمنقسمة على نفسها، فلا تستطيع الاتفاق على دولة جامعة.
الانطلاقة التأسيسية لمناطق خفض التصعيد بدأت في الجبهة الجنوبية بمشاركة ودعم من روسيا والأردن والولايات المتحدة وإسرائيل. وهي الخطوة الأولى في مسار الألف ميل لإنهاء الحرب السورية أو الحرب على سورية أو ما يرى كل سوري ومراقب في منظار عواطفه ومصالحه.
والانطلاقة المكملة تبدأ هذه الأيام في محافظة إدلب ومحيطها. والتحدي الأكبر هو «جبهة فتح الشام» (الاسم الجديد لـ «جبهة النصرة» التي هي بدورها اسم محلي سوري لتنظيم «القاعدة») التي تسيطر على إدلب وجوارها وتندرج في لائحة الإرهاب، فكيف يمكن فصلها عن المعارضين المسلحين غير الإرهابيين بعدما هزمتهم وطردت بعضهم وضمت إليها البعض الآخر؟ الواقع أن معنويات «النصرة» انحسرت في الأسابيع الأخيرة بعدما كانت نجمة المعارضة وأمل قوى خارجية ترغب بإسقاط النظام، ولا يغيب عن الذاكرة مدحها على لسان وزير الخارجية الفرنسي السابق لوران فابيوس والأوهام المعلنة لبعض المعارضين الحالمين بـ «النصرة» خادماً مسلحاً بلا مقابل لطموحاتهم في الحكم. الآن تكرّس عداء الجميع لها، ولكن، ثمة من ينسب إليها وظيفة جديدة في سياق خفض التصعيد، كأن تعلن حل نفسها أو تغيير اسمها للمرة الثالثة تمهيداً لاستخدامها لردع قوات سورية الديموقراطية ذات القيادة الكردية. ففي الشمال السوري لا يمكن أن تعترف أنقرة بوجود عسكري- سياسي كردي. وربما كان ضرب مخططات الأكراد السوريين هو شرط تركيا للموافقة على خفض التصعيد في إدلب، بعدما قبلت بمرارة شراكة روسيا وإيران معها في الـ1500 مراقب للتهدئة هناك، فضلاً عن اقتراحات لم تتبلور بانضمام مراقبين آخرين من أربع دول عربية هي مصر والإمارات والعراق ولبنان، بعضها (القاهرة وأبو ظبي) لا يخفي خصومته أنقرة.
الملفت في سورية، كما في العراق ولبنان، أن التنظيمين الإرهابيين «داعش» و «النصرة» لا ينهزمان في المعارك بمقدار ما يختفيان في أثواب وشعارات أخرى أو ينتقلان إلى مناطق قريبة أو بعيدة لينشطا فيها لمصلحتهما أو، على الأرجح، لمصلحة آخرين. ولا تغيب في هذا المجال حقيقة يخفيها التوافق التركي الإيراني الذي ترعاه روسيا، إذ ينبغي الاعتراف بأن طهران وأنقرة تسيران في خطين لا يلتقيان، وأن صراعهما على النفوذ في المشرق العربي يصعّب إيجاد نقطة تقاطع تطمئن إليها الدولتان الإقليميتان.
خفض التصعيد يحظى بتأييد غالبية السوريين، على رغم ضبابيته السياسية وشكوكهم في مقاصده، ربما فقط لأنه حجب دماء وحفظ ممتلكات كانت معرّضة للدمار كما تعرّض غيرها. لكن السؤال هو عن مدى تمثيل القوى العسكرية- السياسية المعترف بها في آستانة للشعب السوري. لقد تم استنهاض معارضين مرتبطين بالأرض، وليس حضور مندوبين عن «الائتلاف» سوى محاولة لإنقاذ من تبقّى من شخصيات معارضة فقدت صدقيتها بسبب انقطاعها عن المجتمع وتعقيدات الأزمة وسيطرة تنظيمات متطرفة على الأرض. أما «الجيش الحر» فربما يجد فرصته لاستعادة شكله الوطني بعدما تشظّى مستظلاً بيارق المتطرفين، رغماً عنه أو برضى بعض أفراده.
المجتمع السوري مدعوّ لاستيلاد ممثلين سياسيين يحفظون مصالحه الوطنية، إذ لم يبق له بعد الفوضى القاتلة سوى هيئات تمثيلية قليلة، أبرزها تجار دمشق وحلب ورؤساء العشائر في الشرق والإدارة السياسية والعسكرية للحكم غير اللصيقة برأس النظام واستخباراته. لقد خطف المتطرفون الحراكات المدنية ووظّفوها في سياق التعصُّب والتحامل اللذين دمّرا الاجتماع الوطني والإنساني.
سيحتاج السوريون وقتاً طويلاً لإعادة تكوين وطنهم، ونرى على الأرجح أنهم مؤهّلون لهذه المهمة التاريخية.