* استشهاد الإمام الحسين بن علي...
١- مقدمة: في ذكرى عاشوراء ، ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، الذكرى التي تحلُّ كلّ عام في الأول من محرّم، رأس السنة الهجرية، يهتزُّ العالم الإسلامي بأجمعه لهول الفاجعة وعظم المصاب الذي ألمّ بآل بيت النبي محمد (ص) في ذلك اليوم من العام الواحد والستين للهجرة، وإذ عزمتُ على إضاءة بعض جوانب سيرة هذا الإمام الشهيد، كتبتُ هذه المقالات الأربع تحت عنوان: عاشورائيات... وتوخّيتُ الحذر قدر الإمكان في انتقاء الروايات و"غربلتها"، والاحتفاظ بما هو مفيد وصالح وقريب من الواقع ومنطق الأحداث وسلامة العقل والنّوايا، ذلك أنّ هذه السيرة تُتلى بكمٍّ هائل من الروايات والأحاديث المُشبعة بالمبالغات والتلفيقات التي لا تراعي حقائق التاريخ وحوادثه، ولا تحترم عقول القارئين والسامعين معاً.وتتركز المبالغات و"الشطحات" في أحداث اليوم العاشر، أي نهاية المأساة باستشهاد الإمام وآل بيته وأنصاره وسبي النساء والأولاد.

إقرأ أيضًا: عاشورائيات...مأساة الطالبيّين على مدى العصور (٣)
٢- الاستشهاد...
بعد مقتل مسلمُ بن عقيل، جاء خبره للحسين وهو في منطقة اسمها شراف، فهمّ بأن يرجع ومعه خمسةٌ من بني عقيل، فقالوا: ترجع وقد قُتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به؟ فقال الحسين لبعض أصحابه: والله ما لي على هؤلاء من صبر، وما لبث أن التقى بخيول عمر بن سعد وقد نزلوا بكربلاء، فقال حسين: أيّ أرضٍ هذه؟ قالوا: كربلاء. قال: أرضُ كربٍ وبلاء!، وأحاطت بهم الخيل، فقال الحسين لعمر بن سعد: يا عمر، اختر منّي إحدى ثلاث خصال: إمّا أن تتركني أرجع كما جئتُ، وإمّا أن تُسيّرني إلى يزيد فأضعُ يدي في يده، وإمّا تُسيّرني إلى التّرك أقاتلهم حتى أموت.
فأرسل عمر إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يُسيّرهُ إلى يزيد، فقال له شمر بن ذي الجوشن: أمكنك الله من عدُوّك، فتُسيّرهُ! لا، إلاّ أن ينزل على حُكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك، فقال: أنا أنزل على حكم ابن مرجانة! والله لا أفعل ذلك أبدا: وهيهات منّا الذلّة، وذهبت مقالته هذه خالدةً مرّ العصور على ألسنة الأحرار الأُباة.
وعندما أبطأ عمر عن قتال الحسين، وكان معه ثلاثون رجلاً من أهل الكوفة؛ فقالوا: يعرضُ عليكم ابنُ بنت رسول الله ثلاث خصال، فلا تقبلوا منها شيئاً، فتحوّلوا مع الحسين وقاتلوا معه، عندها أرسل ابن زياد إلى شمر، وقال له: إن تقدّم عمر وقاتل، وإلاّ فاتركه وكن مكانه.
ورأى رجلٌ من أهل الشام عبدالله بن حسن بن علي، وكان من أجمل الناس، فقال: لأقتُلنّ هذا الفتى! فقال له رجل: ويحك، ما تصنع به، دعهُ، فأبى، وحمل عليه فضربهُ بالسيف فقتله، فلمّا أصابتهُ الضربة قال: يا عمّاه! قال الحسين: لبّيك صوتاً قلّ ناصرُه، وكثُر واترُه! وحمل على قاتله فقطع يده، ثمّ ضربهُ ضربة أخرى فقتله، ثمّ اقتتلوا.

إقرأ أيضًا: عاشورائيات... مأساة الطالبيّين على مرّ العصور (2)
من أقوال الحسين التي حفظها الرواة: قام خطيباً في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: قد نزل بي ما ترون من الأمر، وإنّ الدنيا تغيرت وتنكّرت وأدبر معروفها واشمعلّت، فلم يبق منها إلاّ صُبابةٌ كصُبابة الإناء الأخنس، وعيشٌ كالمرعى الوبيل؛ ألا ترون الحقّ لا يُعمل به، والباطل لا يُنهى عنه؟، ليرغب المؤمن في لقاء الله، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ ذُلاً وبرما.
وقُتل الحسين في ملحمة بطولية مع آل بيته وكانوا سبعة عشر رجلاً، وستّين رجلاً من أصحابه وأنصاره، يوم الجمعة، يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بالطّف من شاطئ الفرات بموضعٍ يدعى كربلاء، وقُتل وهو ابنً ستّ وخمسين سنة، وهو صابغٌ بالسّواد، قتلهُ سنان بن أبي أنس، وأجهز عليه خولة بن يزيد الاصبحي من حمير، وحزّ رأسه وأتى به عبيد الله وهو يقول: 
أوقر ركابي فضّةً وذهبا، أنا قتلتُ الملك المحجّبا 
خير عباد الله أُمّاً وأبا...
فقال له عبيد الله: إذا كان خير عباد الله وخير الناس أُمّاً وأبا، فلم قتلته؟ قدّموه فاضربوا عنقه! فضُربت عنقه.
واختلفت الروايات حول ما جرى بعد ذلك في مجلس يزيد عندما وُضع رأس الحسين أمامه، فروى بعضهم أنّ يزيد تمثّل بقول حصين بن الحمام المري: 
يُفلّقن هاماً من رجالٍ أعزّةٍ 
علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما.
فقال له علي بن الحسين وكان في السّبي: كتاب الله أولى بك من الشعر، يقول الله: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتابٍ من قبل أن نبرأها، إنّ ذلك على الله يسير، لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يُحبُّ كلّ مُختالٍ فخور)، فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته، ثم قال: غير هذا من كتاب الله أولى بك وبأبيك، قال الله: (وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير)، ثم قال: ما ترون يا أهل الشام في هؤلاء، فقال له رجل: لا تتّخذ من كلب سوءٍ جروا. فقال النعمان بن بشبر الأنصاري: انظر ما كان يصنعه رسول الله (ص) بهم لو رآهم في هذه الحالة فاصنعهُ بهم، قال يزيد: صدقت، خلّوا عنهم، واضربوا عليهم القباب، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج إليهم جوائز كثيرة، وقال: لو كان بين ابن مرجانة وبينهم نسبٌ ما قتلهم، ثمّ ردّهم إلى المدينة، وفي حديثٍ منسوبٍ لمحمد بن الحسين: أُتي بنا يزيد بن معاوية بعد قتل الحسين، ونحن اثنا عشر غلاماً، وكان أكبرنا علي بن الحسين، وكان كلّ واحد منا مغلولة يدُه إلى عنقه، فقال لنا: أحرزت أنفسكم عبيد أهل العراق، وما علمتُ بخروج أبي عبدالله ولا بقتله، وتُنا قض هذه الرواية ما هو ثابتٌ أنّ يزيد كتب لعبيد الله بن زياد بعد أن ولّاه العراق: إنّه بلغني أنّ حسيناً سار إلى الكوفة، وقد ابتُلي به زمانك بين الأزمان، وبلدُك بين البلدان، وابتُليت به من بين العمال، وعنده تُعتقُ أو تعود عبداً.
وعن الحسن البصري أنّه قال: قُتل مع الحسين ستّة عشر من أهل بيته، والله ما كان على الأرض أهل بيتٍ يشبّهون بهم، وحمل أهل الشام بنات رسول الله سبايا على أحقاب الإبل، فلمّا أُدخلن على يزيد، قالت فاطمة ابنة الحسين: يا يزيد، أبناتُ رسول الله سبايا؟ فقال: بل حرائرُ كرام، ادخلي على بنات عمّك تجديهن قد فعلن ما فعلن.

قالت فاطمة: فدخلتُ إليهنّ، فما وجدتُ سفيانية إلاّ متلدّمةً تبكي، وقالت بنت عقيل بن أبي طالب ترثي الحسين ومن أصيب معه:
عيني ابكي بعبرةٍ وعويل 
واندُبي إن ندبت آل الرسول
ستةٌ كلُّهم لصُلب عليّ
قد أُصيبوا وخمسةٌ لعقيل.
قال إبراهيم النخعي: لو كنتُ فيمن قتل الحسين ودخلتُ الجنة، لاستحييتُ أن أنظر إلى وجه رسول الله (ص).