تعهد سعودي بتسوية الملفات العالقة بين بغداد وأربيل في غضون عامين، والمخاوف تزايدت من إمكانية تدخل خارجي في أزمة الاستفتاء
 

لم يستمر عناد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، طويلا بخصوص التمسك بموعد الاستفتاء، ولمّح الثلاثاء إلى إمكانية التراجع عنه مقابل إغراءات دولية لتكون بديلا عن المكاسب التي يؤمل الأكراد تحقيقها من وراء موعد الخامس والعشرين من هذا الشهر.

وقال البارزاني في خطاب بمنطقة سوران شرق أربيل “تسلمنا مقترحات جديدة من المجتمع الدولي لتكون بديلا للاستفتاء، ونحن ندرسها”، مضيفا أن “المجتمع الدولي لم يكن متأكدا من جديتنا في المضي نحو الاستفتاء، وبعدما تأكد له ذلك، تغير موقفه‎”، في إشارة إلى الحراك الهادف إلى ترتيب حوار جدي مع الحكومة المركزية ببغداد يفضي إلى حصول الأكراد على مزايا نوعية مثل الرفع في قيمة الميزانية المخصصة للإقليم، وضبط كيفية تقسيم عائدات النفط، فضلا عن حرية أوسع للإقليم في عقد الصفقات.

ومن شأن تصريحات البارزاني أن تمتص حالة الاحتقان والاستعداد للمواجهة التي ظهرت في تصريحات مختلف الفرقاء، وكادت تشعل شرارة حرب عرقية في كركوك مساء الاثنين.

وقالت مصادر سياسية رفيعة في أربيل لـ”العرب”، إن “جهودا دولية، تقودها السعودية، ربما تسفر عن تسوية وشيكة لأزمة إقليم كردستان”.

وأضافت أن “البارزاني، الذي سبق له تجربة وساطات داخلية وخارجية عديدة، لم تفض إلى حل للإشكاليات العالقة بين بغداد وأربيل، ربما بات على وشك قبول عرض سعودي في هذا الشأن”، موضحة أن “رئيس إقليم كردستان يدرك أن السعودية، ربما هي الوسيط الوحيد الذي يمكنه ضمان تنفيذ بغداد لالتزاماتها إزاء الإقليم في هذا الظرف”.

وتشير المصادر إلى أن “الجهود السعودية تحظى بدعم فرنسي، فضلا عن ترحيب الأمم المتحدة والجامعة العربية بها”.

وكشفت أن “الوساطة السعودية تستند إلى مجموعة ضمانات سياسية واقتصادية تقدم إلى إقليم كردستان، لتأجيل الاستفتاء، حتى أجل غير مسمى”.

وكان وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، ثامر السبهان، كتب، الثلاثاء، في حسابه على تويتر، داعيا البارزاني إلى قبول الوساطة الأممية.

وقال السبهان “أتطلع لحكمة وشجاعة الرئيس مسعود البارزاني، بقبول الوساطات الدولية لحل الأزمة الحالية ضمن مقترحات الأمم المتحدة وتجنيب العراق أزمات هو في غنى عنها”.

وكان البارزاني استقبل في السادس عشر من الشهر الجاري، السبهان، بمدينة أربيل، حيث أكد الوزير السعودي، “استمرار وتطوير علاقات الصداقة العريقة بين السعودية وكردستان، كما عبر عن استعداد بلاده للتوسط وتهيئة أرضية المباحثات لمعالجة المشاكل بين الإقليم وبغداد”.

وتشير المصادر إلى أن “السبهان نقل إلى البارزاني تعهدا سعوديا بالعمل على متابعة جميع الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، وضمان تسويتها في غضون عامين”.

ويقول مراقبون عراقيون إن “أزمة كردستان ما زالت مفتوحة على جميع الاحتمالات، بما فيها تصاعد الصدام بين مكونات مدينة كركوك، وفتح الباب أمام تدخل عسكري مباشر من تركيا وإيران الجارتين، أو التوصل إلى تسوية برعاية دولية”.

واعتبر مراقب سياسي عراقي أن المبادرة السعودية ضرورية بالنسبة لجميع الأطراف، مشيرا إلى أنها تنقذ الطرف الكردي من الانزلاق في اتجاه استفتاء سيكون الانفصال نتيجته وهو ما يضع القيادة الكردية في مواجهة دول إقليمية وعالمية.

قاسم سليماني: لن نمنع الحشد الشعبي من التدخل العسكري في كردستان وأضاف المراقب في تصريح لـ”العرب” أن المبادرة تنقذ الحكومة المركزية في بغداد من إعلان عجزها عن منع الأكراد من تغيير خارطة العراق، وأنها ستكون في الوقت نفسه بمثابة ضربة استباقية من شأن نجاحها أن يمنع إيران من استعراض نفوذها داخل الأراضي العراقية عبر الحشد الشعبي الذي قد يؤدي تدخله العسكري إلى تغيير الموقف العالمي إذا ما تعرض الأكراد للعنف.

وأكد أن الأكراد يقدمون من خلال ترحيبهم بتلك المبادرة طوق نجاة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يواجه ضغوطا لا يمكنه الوقوف أمامها بنفسه.

وتزايدت المخاوف في بغداد من إمكانية تدخل خارجي في أزمة الاستفتاء الكردي، مع إعلان أنقرة إجراء مناورات عسكرية، الاثنين، قرب الحدود العراقية. وبالرغم من إعلان الجيش التركي، انتهاء مناوراته في وقت لاحق، إلا أنه واصل التحشيد العسكري في مواقع حدودية مع العراق. وترافق التحشيد العسكري التركي مع تصريحات أدلى بها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، تؤكد أن بلاده لن تمنع قوات الحشد الشعبي من التدخل العسكري في أزمة كردستان، في حال مضى البارزاني في إجراء الاستفتاء.

وقالت مصادر سياسية في أربيل لـ”العرب” إن “اختبار الدعاية الداعمة للاستفتاء في كركوك، الاثنين، أثبت للبارزاني، استحالة إجرائه في هذه المدينة”.

وأضافت أن “رئيس الإقليم يلحظ وجود عشرات الآلاف من المقاتلين المنتمين إلى الحشد الشعبي، الذي تمارس إيران نفوذا كبيرا على بعض فصائله، في نينوى وصلاح الدين القريبتين من كركوك، ما يعرض الهيمنة العسكرية الكردية في المحافظة إلى خطر كبير”.

وأوضحت أن “استثناء كركوك من الاستفتاء أمر غير وارد بالنسبة للقيادة الكردية، فإما أن يجرى في هذه المحافظة، وإما أن يؤجل كليا، نظرا لقيمتها الاقتصادية والرمزية الكبيرة لدى الأكراد”.

ودشن الفرقاء العراقيون في مدينة كركوك، الغنية بالنفط، والتي يسكنها خليط من سكان متعددي القوميات والأعراق، نزاعهم المسلح، الذي أعدت مسرحه نوايا استقلال إقليم كردستان، ليسفر في ليلته الأولى عن قتيل وعدد من الجرحى.

ومثلما كان متوقعا، جاءت ملامح الاحتكاك الأولى في كركوك من قبل قوى سياسية محلية، وهي مقدمة لتدخلات خارجية، إذا لم تنجح الوساطات في احتواء الأزمة، وفقا لمراقبين.

وفي وقت متأخر من ليل الاثنين، استفز مسلحون داعمون للاستفتاء عناصر يحرسون مقر حزب تركماني في كركوك، ما أدى إلى تبادل نيران خلف قتيلا وعددا من الجرحى، أعقب ذلك هجوم بقذيفة صاروخية، استهدف دورية شرطة في حي تسكنه غالبية تركمانية، من دون وقوع ضحايا.

ونشر مدونون على صفحات التواصل الاجتماعي، دعوات صادرة عن قيادات سياسية تركمانية في كركوك إلى “شبان المكون التركماني للتسلح، تحسبا لمحاولة أحد الأطراف الاستيلاء على المدينة”، في إشارة إلى حزب البارزاني، في وقت انتشرت قوات البيشمركة التي جاءت من السليمانية في مداخل ومحيط كركوك.

وسارعت سلطات الأمن المحلية، إلى فرض حظر على التجوال، استمر حتى صباح الثلاثاء، الذي شهد تظاهرة رافضة لقرار البرلمان العراقي بإقالة محافظ كركوك نجم الدين كريم، الداعم للاستفتاء، شارك فيها قياديون بارزون في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة جلال الطالباني.