تحت حجّة ضيقِ الوقت هرّب مجلس الوزراء بند تطويرِ بطاقة الهويّة لتصبحَ بيومتريّة ويتمّ استعمالها في العمليّة الانتخابيّة، عبر عقدِ تلزيمٍ بالتراضي مع شركة "ساجيم"، وذلك بكلفةِ 40 مليون دولار، من أصل 186 مليون دولار كلفة الانتخابات برمّتها.

وكانت الشركة الفرنسيّة قد عَمِلَت على إنتاجِ بطاقات الهويّة في لبنان عام 1997، وهي الحجّة الثانية التي تذرّع فيها مجلس الوزراء لتمرير التلزيم، على اعتبار أنّ "ساجيم" وحدها تملك الداتا المطلوبة، وهي الذريعة التي واجهتها مصادر عين التينة، بأنّ هذه الداتا موجودة لدى وزارة الداخليّة والبلديات ويمكن منحها لأيّ شركةٍ في إطارٍ قانونيٍّ سليم يمرّ عبر دائرة المُناقصات.

ومنذ الإعلان عن هذا العقد وما زالت الأسئلة تدور في فلك هذه الهوية، عقدها المشبوه وكلفتها المُرتفِعة، خاصّةً في الشقِّ المُخصّص بإنتاجٍ وإصدارٍ يظهرُ وفق خُلاصة بحثٍ قام بها مُحرِّران في "ليبانون ديبايت" أنّها الأغلى مقارنةً مع عددِ نماذج اعتمدت في دولٍ متقدّمة ومن بينها دول في المنطقة تتقاسم مع لبنان نفس أعداد السكّان تقريباً.

فبينما ستدفعُ الدولة اللّبنانيّة لشركة "ساجيم" مبلغ 40 مليون دولار مقابل إصدار 3 مليون و800 ألف هويّة بيومتريّة، أيّ ما يُقدّرُ بكلفةِ 10,52 دولار للهويّة الواحدة، نرى أنّ شركة "إيريس كورب" الماليزيّة فازت بمناقصةٍ حكوميّةٍ في السنغال سمحت لها بإنتاجِ وإصدار 10 مليون هويّة بيومتريّة بكلفةِ 83 مليون دولار، أي ما يُقدّر بـ 8,3 دولار للهويّة الواحدة. ويظهر أنّ الزيادة مُقارنة مع الشقّ اللّبنانيّ بلغت 2,22 د.أ للهويّة الواحدة، ما يعني أنّ هناك كلفة إضافيّة تدفعها الدولة اللّبنانيّة عن الحالة السينغاليّة بما يُقارب الـ9 ملايين دولار.

أمّا في بنغلادش فقد فازت شركة "أوبريتور" التكنولوجيّة الفرنسيّة بعقدِ تلزيمٍ قيمته 102 مليون دولار أميركيّ لإنتاج وإصدار 85 مليون بطاقة هويّة بيومتريّة. وفي عمليّةٍ حسابيّة بسيطة، يتّضحُ أنّ إنتاج البطاقة الواحدة يبلغ 1.2 دولار أميركيّ. واستناداً على الأرقام البنغلادشيّة، فإنّ تلزيم شركة "أوبريتور" قد يُكلّف لبنان نحو 4 ملايين دولار فقط أي بتوفيرِ 36 مليون دولار عن القيمة الحاليّة أي 40 مليون دولار.

لكن لا بدّ من الإشارة في معرضِ المُقارنة بين لبنان وبنغلادش، أنّ انخفاض سعر البطاقة إلى هذا القدر قد تكون من أسبابه تقديم الشركة الفائزة بالمناقصة عرضاً للدولة الآسيويّة يعود سببه إلى العددِ الكبيرِ من السكّان الواجب إنتاج بطاقة هويّة لصالحهم ما شكّل حافزاً لتخفيض الكلفة الإجماليّة.

أمّا عربيّاً، فيمكن لحالةِ الكويت أن تشكّل مقياساً موضوعيّاً تجوز مقارنتهُ مع الواقع اللّبنانيّ نسبة إلى عددِ السكّان. فهنا يكلّف إنتاج بطاقة الهوية البيومترية الواحد مبلغ 2 دينار (ما يعادل 6.6 دولار أميركيّ) وهي تصدر من قبل شركة "غِمالتو" الهولنديّة منذ عام 2009.

ولم يظهر في البحثِ أيّ إشارة إلى قيمة التلزيم لصالح الشركة، لكن يمكن في حالةِ ضربِ قيمةِ إنتاج البطاقة الواحدة (6.6 د.أ) مع عدد السكّان الكويتيّين (4 ملايين مواطن وفق إحصاء عام 2016) فيكون الحاصل 26,5 مليون دولار أميركيّ. وعند مُقارنة الرقم مع ذلك الذي اِعْتُمِدَ في لبنان، نجد أنّ قيمة التوفير قد تصلُ إلى 14 مليون دولار.

وهنا نموذج ثانٍ من المجدي الإشارة إليه. ففي المملكة المغربيّة مثلاً أصدرت شركة "تاليس" الفرنسيّة الهويّة البيومتريّة بكلفةِ 8 دولار أميركيّ للبطاقةِ الواحدة، وهي الكلفة التي تتقاضاها المملكة رسميّاً من مواطنيها، أي بانخفاضٍ يبلغ 2,52 دولار أميركيّ عن السعر اللّبنانيّ. واستناداً على هذا الرقم كان سيوفّر لبنان مبلغ 9.5 ملايين دولار لقاء الإنتاج والإصدار في حالِ التعاقدِ مع الشركة أعلاه، علماً أنّه سُرِّبَ سابقاً دخولها غِمار التفاوض مع الجهات اللّبنانيّة.

وهنا تَفرِضُ بعض الأسئلة نفسها، فمنذ ما يُقارب الشهر فضح "ليبانون ديبايت" عقد التراضي المنويّ إبرامه بين الدولة اللّبنانيّة و"ساجيم" بشأنِ الهويّة أو البطاقة البيومتريّة يومها، ما يعني أنّه كان هناك المزيد من الوقت أمام الحكومة للتفاوض مع الشركة الأنسب، لتوفيرِ ملايين الدولارات على الدولة اللّبنانيّة.

وتأسيساً على كلّ ما تقدّم، يُردّد البعض أنّ هناك مستفيدين من التلزيم على النحو الذي جرى قد يصل حدّ جنايتهم أرباحاً بالسمسرةِ قد تنفع لتمويلِ حملاتهم الانتخابيّة!

 

 
 ليبانون ديبايت