تصديع الهوية الوطنية وعدم السعي لبلورة مضمون وطني لقيام الدولة اللبنانية، باعتبار ذلك هدفا وغاية لأي قوة سياسية أو اجتماعية لبنانية، هما أهم ما يمتلكه حزب الله في مقاربته لأي تحد وطني
 

لم تفض معركة القضاء على ما تبقى من مقاتلي تنظيمي داعش وجبهة النصرة على الحدود اللبنانية-السورية إلى مرحلة الانتقال إلى تثبيت قواعد الدولة والسلطة الشرعية، وعلى الرغم من أنّ الجيش اللبناني أنجز مهمة عسكرية ناجحة في مواجهة تنظيم داعش، إلا أن الصفقة التي عقدها حزب الله مع هذا التنظيم أظهرت بكل ما أحاط بها من شبهات والتباسات، أنّ الحزب لم يصل إلى مرحلة تتيح له التسليم بقواعد وشروط الدولة التي هو شريك بل مقرر فيها إلى حد كبير.

قد لا يكون هذا الكلام مفاجئا وقد لا يثير أسئلة، فحزب الله منذ أن تأسس لم يكن في خططه ما يلحظ إمكانية أن ينخرط في الهوية الوطنية اللبنانية ولا في شروط الدولة حتى لو كانت هذه الدولة هي دولته أي صاحب القرار والسلطة الكاملة بها، هو لا يريد من السلطة إلا مغانمها أما المسؤولية فعلى ما عداه، ويأتي هذا الاستنتاج انطلاقا من مسيرة حزب الله منذ نشأته حتى اليوم، هو دوما كان مشروعا مرتبطا ارتباطا وثيقا بإيران، وهنا لا نتحدث عن ارتباط بين كيانين مختلفين بقدر ما نشير إلى أنّ حزب الله هو من الجسم الأيديولوجي الإيراني المتمثل بولاية الفقيه، ولعل تسميته بذراع إيرانية في لبنان والمنطقة هي التسمية الأدق لوظيفته الأمنية والعسكرية أولا والسياسية ثانيا.

تصديع الهوية الوطنية وعدم السعي لبلورة مضمون وطني لقيام الدولة اللبنانية، باعتبار ذلك هدفا وغاية لأي قوة سياسية أو اجتماعية لبنانية، هما أهم ما يمتلكه حزب الله في مقاربته لأي تحد وطني، ومساهمته في بلورة الهوية الوطنية لم تكن يوما أولوية فحتى في مساهمته في تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بدعم إيراني وسوري، لم يسع إلى تثمير هذا الإنجاز في المجرى اللبناني، بل عمد إلى وضع حدود بين وجوده السياسي والعسكري والأمني وبين الدولة أيَّا كان على رأس هذه الدولة. فهو في طبيعته وفي المهمات الموكلة إليه، يتنافى وجوده مع الدولة، طالما أنّه يعتبر انتماءه للأيديولوجية الإيرانية يتقدم على كل انتماء آخر سواء كان وطنيا أو قوميا، وبالتالي هو يمارس مهماته على هذا الأساس الذي يفرض عليه عدم التقيد بشروط الانتماء الوطني ومتطلبات الدولة والسيادة كما هي حال الدول في العالم ومنها إيران التي لا يمكن أن تقبل بثنائية السلطة، فلا سلطة في المؤسسات الإيرانية فوق سلطة ولاية الفقيه على الدولة، بينما في لبنان يرفض حزب الله أن تكون هناك سلطة واحدة في الدولة حتى لو كانت له هو نفسه.

فمنذ نشأ ينبذ هذا المنطق الدستوري الثابت في الدولة عموما، وينحو في أحسن الأحوال إلى ابتداع ثنائية السلطة، أي التحكم بمفاصل الدولة من داخلها والسيطرة عليها من خارجها، بما يتيح له التحكم بقراراتها من دون أن يتحمل تبعات هذه القرارات باعتباره في الشكل ليس هو المسؤول عن هذه الدولة أمام الشعب ولا أمام المجتمع الدولي.

هي لعبة مدمرة للدولة لكن حزب الله متمسك بها واحترف استثمارها خصوصا أنّه نجح في بناء نظام مصالح مستقل عن الدولة لكن على حسابها، ولا يبالي إن ساهمت سياساته بالمزيد من تصدع الدولة ومؤسساتها، ومن تعميق التشققات في المجتمع، لكن من دون أن يسمح بانهيار الدولة باعتبار أنّ انهيارها الكامل يفقد لعبته شـروط البقـاء والقوة، في الـوقت نفسه.

ويذكر الكثيرون كيف أنّ حزب الله واستجابة لمتطلبات سورية-إيرانية ساهم في ما يسمى إشكالية مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل على إثر انسحاب الأخيرة من لبنان في العام 2000، فبعد أن طلبت منظمة الأمم المتحدة أن يقدم لبنان إثباتا أنّ هذه المزارع هي لبنانية وليست سورية لكي تنسحب منها إسرائيل واعتبـارها من المناطق المندرجة بين لبنان وإسرائيل، من خلال إقرار سوريا أن هذه الأرض لبنانية أو أن تقول إنّها أراض سورية، إلا أن النظام السوري رفض تقديم أيّ شيء، انطلاقا من إبقاء هذه المزارع ذريعة لاستمرار نشاط حزب الله العسكري في لبنان على حساب المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وحزب الله لم يتوقف عن رفع شعار تحرير مزارع شبعا من دون أن يبذل أيّ جهد فعلي في هذا الشأن.

مزارع شبعا ظلت ذريعة ولكن هذه الذريعة لم تعد ترد منذ سنوات وتحديدا منذ بدأ حزب الله التورط في الأزمة السورية، ليتم تحويلها نحو التكفيريين والإرهاب، ونسي مزارع شبعا واحتلالها والدعوات إلى تحريرها.

حزب الله أثبت أنّه لا يحمل أي مشروع لبناء دولة ولو على قياسه، فحتى عندما دنت كل الأطراف السياسية من سلطانه كما هو الحـال اليوم، لا يزال متمسكا بمسار التشكيك بالهوية الوطنية وبالدولة وبالدستور، وزادت قدرته على افتعال الأزمات الداخلية في المشهد السياسي وعلى تفكيك أيّ مشهد وطني وحدوي مستفيدا من سطوته من جهة، ومن امتلاكه أدوات داخلية في السياسة والأمن من جهة أخرى، يقدر من خلالها على إبقاء المشهد اللبناني متصدعا بغاية وحيدة مفادها أنّ اللبنانيين منقسمون ولا يحسنون الاتفاق على بناء الدولة، وأنّ الدولة ضعيفة كما مؤسساتها وجيشها، وبالتالي لا بد لها من راع كما كان النظام السوري في زمن الوصاية وها هو حزب الله اليوم يقوم بمهمة الوصاية “تقربا إلى الله تعالى”.

هكذا لم يعد الانتهاء من الإرهاب الذي كان على الحدود نهاية لمآسي لبنان وفرصة لإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية وتعاني من تفشي سوء الإدارة العامة واستشراء الفساد. فعودة الدولة هي الشرط الوحيد لإمكـانية مواجهة مثل هذه الأزمات، لكن حزب الله يلقي المسؤولية في ما آلت إليه الدولة إلى الداخل وسوء السلطة ويعتبر أنّه هو من يحمي لبنان فيما الآخرون منهمكون بالفساد، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال فهو غارق في الفساد أيضا، لكن لو افترضنا أنه ليس متورطا مباشرة في الفساد، فهو بالتأكيد متورط في الإفساد. فالمعادلة السياسية التي فرضها حزب الله في لبنان تقوم على أنّ أطـراف السلطة في الداخل يجب أن يسكتوا على كـل تجـاوزاته القانونية والدستورية وهو يتغاضى عن تجاوزاتهم في الشأن الداخلي الاقتصادي والمالي وفي الإدارة العامة، وهذه المعادلة تضمن للحزب استمرار الوهن والضعف في الدولة، وفي المقابل تضمن له حرية الحركة داخل الحدود وخارجها من دون اعتراض جدي لبناني.

الإرهاب والتخويف منه هما الذريعة وهما السـلاح الذي يحـاول حزب الله أن يمدد من خلاله وضعيته غير الطبيعية والوسيلة التي يريد من الغرب أن تحفظ له دوره في لبنان وخارجه، وكما الخارج هو أيضا يـريد تطويع المجتمع اللبناني من خلال أنّه يتصدى للإرهاب، محاولا التغطية على كل ما ارتكبه بحق الشعب السوري من جهة، والتغطية على كل سلوكه الذي يجعل من الدولة اللبنانية دولة مارقة من جهة ثانية.

الفساد خطير ولكن الإفساد أخطر لأنّ المفسد يقوم بعمله وهو شديد الاقتناع بمصلحة ما يقوم به. فقوة الدولة في لبنان تعني نهاية وظيفة حزب الله أما ضعفها واهتراء مؤسساتها فهما مصدر الحياة لنموذج حزب الله في البقاء وفي استمرار الدور والوظيفة.