الحريري يطيحُ صلاحيات رئاسة الحكومة ويسلّم جدول الأعمال إلى عون
 
في سياق تغطية قضية مديرة التعاونيات في وزارة الزراعة غلوريا أبو زيد والخلاف الدائر بشأنها ، أورد عدد من الصحف إشارة مرت بشكل عابر دون أن تثير الكثير من الإنتباه ، وهي "أن هناك قراراً توافقياً بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري بعدم إجراء أية تعيينات في الجلسات التي تــُعـقـد في السراي الحكومي".
ولدى التدقيق في هذه الإشارة والتعمّق فيها ، يتضح أن هناك عـُرفاً كرّسه الرئيس عون يفرض ويُلزِم رئيس الحكومة بعدم طرح أي تعيين على جدول الأعمال من جانب الرئيس الحريري وحصر قرارات التعيين بما يتم إعتماده من القصر الجمهوري.
 
هذا الواقع يعني بكل بساطة أن الصلاحية المناطة برئيس مجلس الوزراء والمتضمنة وضع جدول الأعمال ، قد باتت في خبر كان من الناحية العملية ، خاصة أن الكلام الصحفي مرّ دون تكذيب أو توضيح ، وبالتالي فإن المواقع التي تعني الشريحة التي يمثلها الحريري باتت تحت رحمة إدارة بعبدا.
وهذا يعني أيضاً أن التحكّم بمفاصل القرار قد بات شبه كامل من قبل رئيس الجمهورية وتياره السياسي ، إلى درجة سمحت للوزير السابق وئام وهاب بالتطاول المستنكَر والمرفوض على مقام رئاسة الحكومة ، بقوله "إن الحريري يعمل عند جبران" وهو تطاول من المفارقات لم يلق أي ردّ!! 
 
 
 
سطوة عون - باسيل
 
 
وسطوة "عون - جبران" في الحكم لم تعد مسألة خافية ، بل إنها باتت من المسلّمات ، والمؤسف أن الحريري يجاريها دون سعيٍ منه لتغيير هذا الإنطباع ، فتارة يشكر (الحريري) ثقة عون لسماحه له بترؤس جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 4/5/2017 عندما صرّح وزير الشؤون الإجتماعية بيار بوعاصي عندما قال:"في ختام جلسة مجلس الوزراء نوّه رئيس الحكومة بفخامة رئيس الجمهورية الذي إضطر لمغادرة الجلسة طالباً من دولة الرئيس الحريري ترؤس الجلسة. واعتبر رئيس الحكومة ثقة الرئيس به دليلاً على ثقة رئيس البلاد بالحكومة وبالمؤسسات الدستورية ، وذلك يشكل سابقة إيجابية ودليل خير".
 
هذا التصريح كان مستفزاً للرئيس نجيب ميقاتي الذي رأى فيه عدم إطلاع كافياً على الدستور ، ومصاباً يضرب مقام رئيس مجلس الوزراء . فقال كلمته الشهيرة "كفى يا سعد".
 
ردّ الرئيس الحريري مبرِّراً بتصوير ما حصل على أنه شبه معجزة: "يبدو أن الرئيس ميقاتي لم يفهم حجم الرسالة التي حصلت في بعبدا اتجاه رئاسة مجلس الوزراء، فليت النجيب من الإشارة يفهم".
طبعاً ليس "النجيب" وحده لم يفهم ما حصل في بعبدا ، لكن معظم اللبنانيين أيضاً لم يفهموا سوى مبالغة غير منطقية بمهمة طبيعية تقضي بترؤّس رئيس الحكومة لجلسة حكومته!!
إن هذا السجال الذي مضى عليه خمسة أشهر يمكن أن يتكرّر كل يوم بسبب ما يمرّ في الإعلام وفي الممارسة السياسية القائمة ، خاصة أن حادثة مماثلة تكرّرت عندما قال الحريري في إفتتاح محطة الكهرباء في البحصاص (طرابلس) مخاطباً الوزير جبران باسيل: من كان يتصور أن نكون هنا نحن وإياك ، و"أنا أمثّل فخامة الرئيس ميشال عون"!
 
الأولوية للعلاقة مع عون
 
 
لم يكن كلام الحريري مجرّد مجاملة ، بل يتضح أنه يأتي في سياق إتفاق سياسي لعل مغزاه برز عندما قال الحريري لمجموعة العشرين بعد إستماعه للشكاوى والإعتراضات على التدهور الحاصل في الواقع السني: "بصراحة ، إن علاقتي مع فخامة الرئيس عون ممتازة ، وهذا كافٍ".
 
 
لكن الرئيس عون لا يتونى عن الضغط على الحريري عندما يرى مصلحته تقتضي ذلك فتراه يرسل الكتب إلى مجلس الوزراء لحثّ الرئاسة الثانية على إصدار المراسيم التطبيقية لقوانين سبق أن نـُشرت في الجريدة الرسمية "وأصبحت نافذة بعد أن تلكأ مجلس الوزراء بالقيام بواجباته" ، كما هو الحال مع عدم صدور المراسيم التطبيقية لقانون الإيجارات الجديد مع ما يعنيه ذلك من تداعيات.
 
إتفاق تركيا (الحريري – باسيل)
 
وخلال التعمّق في سبر أغوار العلاقة بين الرئيسين عون والحريري ، تكشف مصادر متابعة عن إتفاق تم في تركيا منذ أكثر من 8 أشهر بين الوزير جبران باسيل ومدير مكتب الرئيس الحريري السيد نادر الحريري ، وشمل التفاهم على الحكومة وطريقة العمل وعلى تقاسم قطاع الإتصالات والسماح بعودة النفوذ العوني إليه ، حيث كانت هناك شركات تعمل مع وزير الإتصالات السابق نقولا صحناوي ، حاولت التسلّل بشكل ملتبس في أوقات سابقة ، أُفسح المجال لها الآن لدخول هيئة "أوجيرو" ، وخاصة شركة "هاواوي" ، إضافة إلى التعيينات الدبلوماسية التي رفضها مجلس الخدمة المدنية لإحتوائها مخالفات كبيرة ، وغيرها من ملفات حكومية حساسة ، يبدو أنها باتت اليوم مدرجة في سياق إتفاق يطيح أقرب "الحلفاء" لصالح تركيبة جديدة من المصالح السياسية والمالية.