عملياً لم يبقَ من تسوية انتخاب العماد ميشال عون رئيساً إلّا القليل، فبعد أقلّ من سنة على الانتخاب الرئاسي الذي أجمعت على إتمامه قوى رئيسة في لبنان، تبيّن أنّ تلك التسوية باتت في أدنى مراحلها، وهي تستمرّ بحكم الاستمرار وغياب البديل.
 

وبإيجاز ما حصل خلال السنة الفائتة تلخصه مصادر سياسية مطّلعة بالآتي:

ـ أولاً: أنهكت التسوية الفريق المسيحي الذي غطّى انتخابَ عون أي «القوات اللبنانية»، التي باتت في موقع الاضطرار الى رفع السقف والصوت، وهذا ما بدا في كلمة رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، الذي تراجع خطوات عن الدعم غير المشروط لهذه التسوية، ولا يمكن وضع كلام جعجع حصراً في خانة التماهي مع مسار عربي تقوده السعودية للَجم الوصاية الإيرانية على لبنان، بل هو يندرج في إطار إعادة قراءة لكلّ المرحلة الماضية، خصوصاً بما يتعلّق بالعلاقة مع «التيار الوطني الحر»، التي تهتزّ تحت وقع استعادة التموضع الحقيقي للتيار المتحالف بلا سقوف مع «حزب الله».

وصحيح أنّ جعجع أكد متانة المصالحة مع «التيار»، إلّا أنّ نقده العنيف لـ«حزب الله» كان على طريقة إيصال الرسائل بكل الاتجاهات، خصوصاً منها تلك المتعلقة بمحاربة الفساد على طاولة الحكومة، ويقول مطّلعون إنّ استراتيجيّة جعجع تتلخّص في التمسّك بالمصالحة، وعدم تحمّل مسؤولية نعيها، وترك «التيار» يذهب الى تحمّل هذه المسؤولية.

ـ ثانياً، إنّ ما اتُفق عليه في التسوية لجهة قانون الانتخاب وإجراء انتخابات نيابية على اساسه بات في مهب الريح، فتأجيل الانتخابات النيابية الفرعية، لم يكن إلّا مؤشراً الى النية للتمديد مرة أخرى للمجلس النيابي، خصوصاً أنّ أفرقاء أساسيّين يتوقعون منذ اليوم نتائجَ غير مشجّعة في الانتخابات العامة، وهناك بحثٌ داخل الغرف المغلقة، في التراجع عن السير بقانون الانتخاب الحالي، حتى إنّ البعض عاد يطرح القانون الأرثوذكسي، للتخلّص من هذا القانون، في اعتبار أنّ الأرثوذكسي، يحظى بموافقة مسيحية، ويتمّ درسه في الأوساط السنّية، وهو إن طُرح سيحرِج الثنائي الشيعي، الذي تكلّم باسمه الرئيس نبيه بري مهدِّداً بانقلاب في حال تجرّأ أحد على التفكير بالتمديد للمجلس النيابي، أو التفكير بتعديل قانون الانتخاب، علماً أنّ النائب وليد جنبلاط بات يردّد في مجالسه امتعاضَه من القانون الحالي، وتشاؤمَه من النتائج التي ستصدر عنه.

ـ ثالثاً، تشير المصادر الى أنه وبعد كلام الوزير السعودي ثامر السبهان أصبح واضحاً أنّ الغطاء العربي قد زال تماماً عن التسوية، وأنها سقطت بالنسبة الى السعودية، فبعد الكلام المنقول عن السبهان بأنّ المشارَكة مع «حزب الله» في حكومة واحدة هي كالمشاركة مع «داعش» و«النصرة»، يتبيّن أنّ الموقف السعودي من الملف اللبناني انتقل الى مرحلة مختلفة، وأن لا أحد من أفرقاء السلطة، وخصوصاً الرئيس سعد الحريري، ما يزال قادراً على ترتيب الحلول الوسط، فالسعودية وخلافاً لما تروّجه إيران، مستمرة في سياسة المواجهة، وهي لا تعتبر أنّ الملف اللبناني منفصل عن هذه المواجهة، وذلك على رغم من أنها لا تعطيه الأولوية على الملفات الأخرى، وتؤكد المصادر أنّ زيارات السبهان لبيروت ستتكرّر، وكذلك الخطاب السعودي المتشدّد تجاه «حزب الله».

يتربّص أطراف التسوية بعضهم لبعض، والعين مصوّبة على الانتخابات النيابية المقبلة، وكذلك على الانتخابات الرئاسية المقبلة، وسط نزاع بين «المردة» و«التيار»، وأوراق غير مكشوفة يحرص الحريري على طيّها، وحسابات لدى «القوات اللبنانية» لتجنّب الاختيار بين هذا أو ذاك، لتجنّب تجرّع كأس تسوية جديدة، لم تكن على قدر الآمال التي عُلقت عليها، وهي التي أنهكت صانعيها، بعد وقت قصير على ولادتها.