في الشّكلِ هناك ضغوطات على اللّيرة ولكن في المضمون لا خوف على اللّيرة
 

حتّى اللّيرة اللّبنانيّة، التي حافظت طيلة السّنوات الماضية على استقرارها على الرغم من السّياسات الاقتصاديّة الهشّة وعلى الرّغم من كلّ الضغوط المحيطة بها، لم يرِد لها البعض أن تُحافظ على نأيها بنفسِها عن الخِلافات السّياسيّة في لبنان، والتي طالت بفصولِها صُروحاً وطنيّة، كان يجب أن تبقى بعيدةً كلّ البُعدِ عن فوضى المُهاترات غير الخلّاقة، في بلدٍ اعتاد قنّاصوهُ التّصويبَ الأعمى من دونِ النّظرِ إلى مُحيطِ الهدف وتداعيات التّصويب عليه.

"الأزمة الماليّة في لُبنان" ورقةٌ مُتخصّصةٌ للاقتصاديّ توفيق كسبار، أذهلت بعد نشرِها في "بيتِ المستقبل" وتبنّيها من قِبَلِ صحيفة "الأخبار" الرأي العام اللّبنانيّ، لا سيّما أولئك الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللّبنانيّة، وُيقدّر عددهم "بـ750 ألف موظّف". كونها تتوقّع "أن يتّجه لُبنان نحو أزمةٍ ماليّةٍ خَطِرَةٍ ستّتخذُ شكل انخفاضٍ في قيمةِ العُملةِ الوطنيّة..."

يهِمّ قارئ هذهِ الدّراسة المُتشائِمة، التي نشرتها "الأخبار على جزأين مُفصّلين، في عدَدي الأمس واليوم، إمّا لحزمِ أمتعتِهِ مُهاجراً، وإمّا لتحويلِ حِساباتِهِ النّقديّة (إن وُجِدَت) من اللّيرة اللّبنانيّة إلى العُملات الصّعبة، توخياً من الوقوع في شرٍّ مُطلق، أعلنت الدّراسة أنّه حاصلٌ لا محالة.

وانطلاقاً من ذلك، كان لا بدّ من التّأكّد من حقيقةٍ مُخيفةٍ، مفادها "انهيارُ اللّيرة الوطنيّة"، وهي اللّيرة التي لم يُفوّت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فرصةً لطمأنتِنا على مصيرِها. وأمام هذا التناقض الصّريح بين الدّراسة وآراء سلامة، هل فعلاً عُملتنا الأمّ في خطر؟

لا يوافق الخبيرُ الاقتصاديّ والبروفيسور في علم الاقتصاد جاسم عجاقة على ما توصّلت إليه الدّراسة لا من قريبٍ ولا من بعيد، ويُؤكّد أنّه "في الشّكل هناك ضغوطات على اللّيرة اللّبنانيّة، ولكن في المضمون، فإنَّ ما يُقال عن انهيارها فهو مجرّد هرطقةٍ". وذلك لأنّ احتياط مصرف لبنان يُقدر بـ 54 مليار دولار أميركيّ مُقسّمة على 42 مليار دولار من احتياطي العملات الأجنبيّة و12 مليار دولار من احتياطي الذّهب" وهو الاحتياطيّ الذي له أن يُحافظَ على اللّيرة اللّبنانيّة في وجهِ كلّ الصّعوبات التي تواجهها، فـ"يستطيع مصرف لبنان أن يُدافع بهذا الاحتياط، بكلِّ سهولةٍ، عن اللّيرة اللّبنانيّة لمدىً بعيد".

ومن أهمّ الصّعوبات التي تواجهها اللّيرة اللّبنانيّة "أن لدينا عجزاً في المُوازنة، واقتصادنا لا يعمل بشكلٍ سليمٍ لسدِّ هذا العجز، بسبب هيكليّته التّعيسة، نتيجة العجز الصّريح في الميزان التجاريّ (17 مليار دولار قيمة الواردات، و2,9 مليار دولار فقط قيمة الصّادرات) ما يعني أنّ لُبنان يحوّل كمّاً هائلاً من الأموالِ من اللّيرة اللّبنانيّة إلى الدّولار الأميركيّ لإتمام عمليات التّبادل التّجاري، ما يُؤثّر على ميزانِ المدفوعات، الذي يُستعمَل كمؤشّرٍ لتقييمِ الضّغوط على اللّيرة. فيخلق التّبادل التّجاري بهذه الطريقة غير المُتكافئة فائضاً من اللّيرة اللّبنانيّة في السّوق وبالتالي يخلقُ ضغوطاتٍ كبيرةٍ عليها".

وعن العجز لهذا العام، يلفت عجاقة إلى أنّه خلال الأشهر الـ6 الأولى من العام الحالي 2017، لدينا عجز 1,15 مليار دولار أميركيّ، وبناءً على هذا الرّقم تراجع لبنان درجة واحدة، بحسب التّصنيف الائتمانيّ لوكالة "موديز"، (ما يعني أن لدينا خطر بميزانِ المدفوعات)، وعلى أثر هذا التّصنيف أطلق مصرف لبنان هندسةً ماليّةً جديدة، يُتوقّعُ أن تُزيد احتياط مصرف لبنان من العُملات الأجنبيّة، ما له أن يُخفّض الضّغط على اللّيرة اللّبنانيّة. 

وأظهر عجاقة عتبهُ على الإعلام اللّبنانيّ بسبب التّعامل غير المسؤول مع اللّيرة اللّبنانيّة، والتي هي صرحٌ وطنيٌّ يجبُ تحييدهُ عن السّياسة "لأنّ التّهجّم على اللّيرة اللّبنانيّة أمرٌ غير مقبولٍ وله تداعيات خطيرة، وتبنّي هكذا دراسة وإعادة نشرها له أن يخلقَ الأزمة من لا شيء، إذا ما تخوّف اللّبنانيّون ولجأوا لتحويلِ كلّ عائداتِهم من اللّيرة إلى العُملات الأجنبيّة".

ولا ينفي عجاقة احتمال تضرّر اللّيرة اللّبنانيّة "على المدى البعيد"، إذا استمرت السّياسات الاقتصاديّة بشكلِها السّيئ، ولكنّه يستبعد هذا الاحتمال في ظلّ الاحتياطيّ الكبير لمصرف لبنان، وسياساته المُتّبعة للحفاظِ على اللّيرة، مثل الهندسة الماليّة الجديدة التي لها أن تزيدَ احتياط مصرف لبنان 10 إلى 12 مليار دولار أميركيّ.

إذاً، لا خوفَ على اللّيرة اللّبنانيّة، إلّا من سِهام السّياسة التي لها أن تَخلُق أزمة وهميّة تُؤثّر بطريقةٍ غير مُباشرة على استقرار عُملتنا الوطنيّة، فهل من رادعٍ يُجنّب اللّيرة هذه السّهام ويجنّب بالتالي لبنان انهياراتٍ اقتصاديّة جديدة ؟

 

 

ليبانون ديبايت