لكم إنسانيتكم ولنا إنسانيتنا التي لا تقف لا عند حدود ولا عند هوية ولا حتى عند مصلحة
 

أثار البيان الصادر عن حزب الله حول قافلة " مسلحي داعش " وما احتواه من عبارات إنسانية رفيعة ( عائلات - مرضى - جرحى - كبار السن - نساء حوامل ) الكثير من اللغط والنقاشات والإستهجان .
مبررٌ هو هذا الإندهاش من خصوم الحزب ومنتقديه، إذ كيف لتنظيم يقاتل جنبا إلى جنب مع ديكتاتور ( التوصيف هنا للسيد الخامنئي ) طيلة هذه السنوات وما تخللها من أفظع المجازر بحق الإنسانية لم تشهد لها البشرية مثيلا، أن يتوقف فجأة ليسأل عن أرواح بضع مدنيين هم متواجدون أصلا في حافلات تنقل وحوش إرهابية لحمايتهم ؟ 

إقرأ أيضا : حزب الله يحن على إرهابيي داعش... لا تقتلوهم !
أو كيف لشخص تعمد بالأمس القريب أن يضع على صفحته الفيسبوكية صور لطعام ومأكولات ويتلذذ بها كرد على منتقدي حصار مضايا وتجويع أهلها الأطفال والنساء وهو نفسه الآن يبرر ويتبنى ما جاء ببيان حزبه؟!
فعلا إن هذا التناقض الرهيب والإزدواجية في المعايير لهي جديرة بالتوقف مليا، وقراءتها بتمعن لما تعكس من سيسيولوجيا أناس يعيشون بين ظهرانينا ولدينا معهم صلات قربى ونسائج إجتماعية فضلا عن شراكة في الوطن.
لا بد من الإشارة هنا وقبل الدخول في محاولة فهم هذه الظاهرة الغريبة، أن ما يمكن أن نراه نحن ( الناس العاديين ) من تناقض أو  تعارض هو بنظر إبن حزب الله " المتدين " يُعتبر قمة في الإنسجام والتناسق، وبالتالي فهو صادق بكلتا الحالتين.
وباختصار شديد، يمكن القول أن مشاعر الإنسانية عند " المتدين" بشكل عام ليست هي مشاعر مستقلة ولا هي مشاعر تلقائية غير متحكم بها كما يجب أن  يكون تعريفها، وإنما هي مشاعر متحكم بها على ضوء الفتوى ووفق الحكم الشرعي فقط لا غير، فاذا ما كان  أطفال مضايا أو  الفوعة أو نساء حلب تسحق ببراميل متفجرة بمعركة هي بنظر هؤلاء مستحوذة على غطاء شرعي فحينئذ لا معنى ها هنا ولا وجود  لأي حس إنساني، ولا عجب ساعتئذ أن نسمع بمن يطالب حقا باستعمال الكيماوي ضد الأطفال والشيوخ، لأنهم يقضون حتفهم وفق الفتوى التي على أعتابها تتوقف كل المشاعر.

إقرأ أيضا : باصات الإمام المهدي تنقُل خطر داعش من جونية الى كربلاء
فاذا كان لا بد من نقاش حقيقي حول هذا الموضوع، فالمدخلية الصحيحة هو حاكمية الإنسانية على الفتوى وحكم المرجع، أو العكس ووجوب رفض أي فتوى تتناقض مع الحس الإنساني المجرد أو أن الفتوى هي معيار مشاعرنا ؟ 
من المؤكد أن أصالة المشاعر الإنسانية يجب أن تكون أقوى من أي فتوى أو حكم فقيه، وهذه معضلة لا أعرف كيفية ترسيخها في مجتمع المتدينين، والى ذلك الحين لا يسعنا إلا أن نقول لهؤلاء :" لكم إنسانيتكم ولنا إنسانيتنا التي لا تقف لا عند حدود ولا عند هوية ولا حتى عند مصلحة، فأطفال اليمن عندنا هم نفسهم أطفال سوريا وفلسطين، ونساء مضايا وسرغايا هن تماما  كنساء كفريا والفوعة"  وأنا أعتقد جازما أن هذه هي إنسانية علي بن أبي طالب ولا شي غير ذلك .