يبدو ان «حلم» تأمين 24 ساعة كهرباء يقترب بسرعة، ليس لأن العقبات أزيلت فجأة، بل لأن هذا الملف تحول الى منصة إنقاذ، قد تساهم في تخفيف الضغط عن المالية العامة، بعدما فشلت مخططات سلسلة الرتب والرواتب في هذه المهمة.
 

في خلال السنوات الخمس الماضية، تحول مشروع سلسلة الرتب والرواتب في أذهان بعض المسؤولين الى خشبة إنقاذ. ووفق بعض الصيغ التي تم اقتراحها كان يُفترض أن يتم إقرار قوانين ضرائبية تؤدي الى زيادة الايرادات بحوالي مليار ونصف المليار دولار.

وفي المقابل، كان يفترض أن تصل كلفة السلسلة الى حوالي 800 مليون دولار، أو في أقصى الحالات الى مليار دولار. وكان من يرسم الخطط يقول في كواليس المفاوضات، ان السلسلة أصبحت حاجة للخزينة، لأنه من دونها لا يمكن إقرار ضرائب جديدة.

ومن دون هذه الضرائب، يتجه الوضع المالي الى كارثة سريعة، اذ أن الانفاق ارتفع بنسب كبيرة، وحجم العجز الذي يتحول الى دين عام، وصل الى مستويات قياسية. (حوالي 4.8 مليار دولار في 2016).

في خلال هذه المناقشات، كانت تُطرح من وقت الى آخر، فكرة خفض منسوب الهدر، كوسيلة لخفض العجز، وتحاشي الكارثة.

لكن المداولات في هذا الملف، كانت خجولة، لأن القناعة السائدة، ان هذا الامر لا يزال مجرد شعار، يمكن استخدامه وتوظيفه في تسجيل مواقف سياسية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه فعليا، لأنه غير واقعي، في ظل الوضع السياسي القائم. وبالتالي، كان العمل الجدي يركّز على الضرائب، على ان توفر السلسلة الغطاء لتمرير الضرائب.

لكن بت موضوع السلسلة تأخّر. وتمّ اقرار غلاء المعيشة قبل الرتب والدرجات، وارتفع الركود في الدورة الاقتصادية، وتم الاتفاق عل قانون الانتخابات، بما أوحى ان البلد دخل في موسم انتخابي، بما أدّى الى رضوخ السلطة الى الضغوطات الشعبية في الغاء قسم لا يستهان به من الضرائب التي تم التخطيط لاقرارها، لأن أي طرف لم يكن مستعدا طبعا الى إغضاب الناس في الموسم الانتخابي.

كل هذه المعطيات دفعت الى اقرار سلسلة الرتب والرواتب، في ظروف غير مؤاتية لتنفيذ خطة تكبير الايرادات بغطاء من السلسلة. بل العكس قد يكون صحيحا، لأن الايرادات التي لحظتها السلة الضرائبية الجديدة المخصّصة لتمويل السلسلة، بالكاد تكفي للتمويل.

بالاضافة الى ان التصحيحات التي ستجري على هذه السلة من خلال القوانين المعجلة المكررة الموعودة، والمتفق عليها، سوف تؤدي الى خفض العائدات الضرائبية بما يعني ان الخزينة، التي كان يؤمل ان «تكسب» بعض الايرادات الاضافية جراء السلسلة، سوف تضطر الى دفع مبالغ اضافية، بمعنى ان ايرادات السلة الضرائبية لن تكون كافية، ولو انه لا توجد ارقام دقيقة بعد حول قيمة هذه الزيادات.

لكن في التقديرات الاولية، ان السلة الضرائبية التي كان يفترض ان تؤمّن حوالي 800 مليون دولار، لن تؤمّن بعد إقرار التصحيحات اكثر من 650 مليون دولار. في المقابل، قد ترتفع كلفة السلسلة في السنوات الخمس المقبلة، من 800 مليون دولار الى حوالي مليار و200 مليون دولار.

هذا الشرح يعني باختصار ان خطة دعم المالية العامة بغطاء من السلسلة فشلت، بل ان الاعباء المالية زادت، وبات مطلوبا اليوم البحث عن خطة بديلة لجني دولارات اضافية للخزينة بسرعة قصوى.

وبما أن خطط وقف الهدر والسرقة مؤجلة، «اكتشفت» السلطة ان خشبة الخلاص البديلة من السلسلة قد تكون الكهرباء. خصوصا ان التحويلات من الخزينة الى الكهرباء التي كانت انخفضت بحوالي 55% في العام 2016، الى حوالي 930 مليون دولار، مقارنة مع العام 2014، حين اقتربت التحويلات من مبلغ ملياري دولار، عادت اليوم الى الارتفاع مع تحسين ساعات التغذية، والارتفاع ولو الطفيف الذي طرأ على اسعار المحروقات.

وكانت الخطة الموضوعة للكهرباء تقضي برفع التعرفة تدريجيا مع ارتفاع ساعات التغذية. لكن هذه الخطة فشلت ايضا، لأن السلطة «اكتشفت» ان رفع التعرفة بوجود فاتورتين سيثر الغضب الشعبي، وان تصحيح سعر الكيلوواط لا يمكن أن يتم الا بعد تأمين 24 ساعة كهرباء، والغاء فاتورة المولد. وبعد السلسلة، وارتفاع الاسعار، والدخول في الزمن الانتخابي بات من المستحيل المجازفة باثارة غضب الناس.

بناء على النظرية الجديدة، وبعد فشل نظرية الافادة من السلسلة ومن تحسين التغذية بالكهرباء لرفع التعرفة، وبسبب العجز في تنفيذ خطة لوقف السرقة والهدر، تسود قناعة حاليا بأن تأمين الكهرباء 24 ساعة قد تكون خشبة الخلاص لتخفيف الضغط على المالية العامة من خلال رفع التعرفة الى مستويات تسمح بخفض التحويلات الى الكهرباء، وربما الغائها تماما. هذا الواقع يفسّر كلام رئيس الحكومة عن هذا الموضوع.

اذ ان الوصول الى 24 ساعة تغذية بات يمثل مصلحة عليا، وبالتالي، بات الوصول الى تحقيق هذا «الحلم» بالنسبة الى الناس، أصبح اكثر واقعية من ذي قبل.