لقد أدركت إيران ـ حالها حال أي دولة من الدول الاستعماريّة ـ إن استقرار العراق واستتباب أمنه فيه ضرر كبير على مصالحها، لذلك عملت وبكل جهدها على استمرار نواعير دمه بالتدفق.
 

فالاستقرار معناه أن منتجاتها الزراعية والصناعية ـ من "السايبة" إلى الطماطم إلى الآيس كريم بيد الطفل ـ ستبور، فالسوق العراقيّة من أهم وأكبر الأسواق التي ترفد الاقتصاد الإيراني بمليارات الدولارات سنوياً، ومع ذلك لها ميزة أخرى، وهي عدم وجود رقابة وسيطرة نوعية على ما تُصدّره للعراق بخلاف باقي الدول، ومن ثُمَّ أتيح لها التصرف بها واحتكارها بواسطة الساسة العراقيين الدائرين في الفلك الإيراني، بعد أن حرّموا على الدول الأخرى تصدير بضائعها للعراق، بل حرّموا على العراق أن يُشغّل مصانعه لسد حاجته من منتجاتها، كما صرّح الأستاذ محمد صاحب الدرّاجي ـ وزير الصناعة الأسبق ـ بأن معمل الحديد والصلب في  البصرة يعمل بكل طاقته إلا إن العمل أوقف فيه بأوامر إيرانيّة، وهو الأمر الذي عوقب عليه الدرّاجي بتلفيق ملفات فساد له، ومن ثُمَّ عزله..!!

إقرأ أيضا : إيران الممر الوحيد المتبقي لقطر
نعم.. لقد حرصت إيران وبكل ما تملك من نفوذ في العراق على توتير الأجواء وافتعال الأزمات السياسيّة، والتي عادةً ما تنتهي بالحروب وسفك الدماء، ابتداءً من صولة الفرسان التي شنها المالكي على  التيار الصدري 2008 بغطاء ودفع إيراني وليس انتهاءً بما جرى في الموصل والمناطق الغربيّة 2014 فكلنا نتذكّر كيف أن الإعلام الإيراني والقنوات العراقية التابعة له نفخت المالكي حتى أطلقت عليه لقب (مُختار العصر) في إشارة واضحة إلى أنّه هو من سيأخذ بثأر "الشيعة" من بني أميّة "السُنّة" وخلقت رأي عام شعبي في وسط وجنوب العراق بضرورة دعم المالكي للوقوف بوجه "الإرهاب السُنّي" بزعمها، بينما حقيقة الأمر هي أن السُنّة ـ كما هو حال الشيعة ـ كانوا يُعانون الأمرّين من سياساته الرعناء، حتى أنّه اعترف بأحد لقاءاته المُتلفزة أنّه لو كان طائفياً لما بدأ بالشيعة قبل السُنّة، مُعترفاً بقتاله للشيعة والسُنّة على حدٍ سواء، دون أن يذكر مبرراً لحماقاته، إلا إنّه تفاخر بالبدء بقتل الشيعة قبل السُنّة..!!
وختم المالكي المدعوم إيرانياً دورته الثانية على كرسي رئاسة الوزراء بتسليم الموصل لمُرتزقة  داعش من  الشيشان و  الباكستان و  الأفغان و  تونس وغيرها، وطبعاً كان الخيار الأصعب لإخواننا في المنطقة الغربيّة برمي أنفسهم بأحضان أبو بكر البغدادي، هرباً من مُختار العصر المُتمنطق بسيف الثأر ومن ورائه  قاسم سُليماني..!!

إقرأ أيضا : الحشد الشعبي يضغط لدى إيران للإطاحة بالعبادي
اليوم وبعد تظافر أبناء العراق ووقوفهم خلف جيشهم العزيز وقواهم الأمنية وبحكمة القيادة السياسية بقيادة السيد رئيس الوزراء د. حيدر العبادي، وتعامله مع الأزمة بحس وطني، استطعنا أن ننجز نصراً مُدوياً على داعش في  الموصل، وإن شاء الله سنشهد نصراً مماثلاً في  قضاء تلّعفر، وها هو العراق بدأ يتعافى، الأمر الذي أزعج ساسة  طهران ـ خصوصاً وإن رئيس الوزراء أعلنه نصراً عراقياً خالصاً ـ مما حدى بهم إلى تسريب الدعايات الكاذبة وتجنيد الآلاف من الأقلام والصفحات والقنوات الفضائية الموبوءة داخل العراق وخارجه ضد حركة  السيد مقتدى الصدر (أعزّه الله) باتجاه تصفير أزمات العراق مع مُحيطه العربي ـ خصوصاً  المملكة العربيّة السعودية ـ والانطلاق من إطار الانغلاق الذي وضِع فيه العراق بشكل قصري ـ بعد السقوط ـ إلى فضاءات التفاهمات العربية، وإخماد نيران الفتن الطائفية المفتعلة.
إيران ـ يوم الأحد الماضي ـ وبواسطة مصادر من  الحرس الثوري الإيراني تُسرّب أخباراً إلى صحيفة "الجريدة" الكويتيّة مفادها أنّها بصدد عزل السيد مقتدى واستبداله بشقيقه السيد مرتضى الصدر، وطبعاً هذا الكلام يُراد منه ذر الرماد في العيون، وإحباط معنويات الشارع العراقي الذي بدأ ينظر إلى الصدر كزعيم وطني يُمثل كل أطياف الشعب العراقي الدينية والمذهبية والعرقية، وبعد أن لمسنا بعض ثمرات زياراته لدول الخليج العربي، كإصدار قانون في دولة الإمارات العربية المُتحدة يُجرّم كل خطاب طائفي مُتطرّف ينال من المذاهب الإسلامية ومنها التشيّع.

إقرأ أيضا : هل تخلت إيران عن عمار الحكيم ؟
فإيران لا تريد مُنجزاً عراقياً تحت مظلّة الوطن بعيداً عن مظلتها الولائيّة، إنما هي تبحث عن منجزات يقوم بها أتباعها لتقول (أنا ومن خلفي الطوفان) وترى أن حركة الصدر كزعيم عراقي حُر يُهدد زعاماتها في العراق، وهي تعرف أن الزعامات التي انتجتها سياستها في هذا البلد ما هُم إلا دُمى لا يملكون أي اعتبار أو قيمة في الشارع العراقي، وستتهاوى ـ هذه الزعامات ـ ما أن ينقطع عنها التومان وتنقطع الرواتب عن مؤيّديهم.
لذلك هي تُحاول أن تحد من حركة الصدر وتُخفف من حجم الصدمات التي أوجدها في الشارع العراقي بزياراته المتلاحقة لدول الجوار، والتفاهمات التي جرت فيها، فهي بتصريحها أنها تُريد أن تستبدل السيد مقتدى الصدر، أشبه ما تكون بمن يضرط ـ وآسف للمفردة ـ بوجه عاصفة وهو يحسب أن فعلته ستغير من مسارها، لأنها تعلم جيداً أن التيار الصدري كان ـ وما زال ـ مُستقلاً بقراره مُنذ انطلاق المرجع الشهيد محمد الصدر (قدّس سرّه) وإلى هذه اليوم، فالتيار الصدري ليس المجلس الأعلى لتُستبدل قياداته بحسب الذوق الإيراني ويُبعد عنه السيد عمار الحكيم لأن صولاغ اشتكى عند خامنئي، ولا هو فصيل كالفصائل الباقية التي ما أن يظهر قادتها شيء من التمرّد على الأوامر الإيرانية حتى شقّوا صفوفه وخلقوا له نداً من جماعته..!!
وادعاء إيران أنها أحبطت محاولتين لاغتيال السيد الصدر هي تهيئة للرأي العام الشعبي لما تنوي فعله، فهي تعلم جيداً أنّ أي استهداف لحياة الصدر ستتوجه أصابع الاتهام لها مباشرة، لذلك تريد ذر الرماد في العيون وتُقدّم لجريمتها بإبعاد التُهمة عنها بدعوى أنها أحبطت محاولات اغتياله..!!

إقرأ أيضا : إيران تعود إلى الحج
فقبل أشهر سرّب بعض أتباعها أخباراً عن اجتماع سُليماني بقادة الفصائل التابعة لها، وإخبارهم بصدور الأمر بتصفية السيد الصدر، لكي يتهيؤوا لما بعد الجريمة الأمر الذي رفضه اثنين من قادة الفصائل، لأن جريمة بهذا الحجم ستُدخل العراق بحرب شيعيّة شيعيّة لا يُعلم أين ستؤدي بالبلد، وهو ما أفسد الخطّة الإيرانيّة، فإذا كان رد أتباعهم هذا فكيف سيكون رد فعل القواعد الشعبية التي لا ترى قائداً لها إلا الصدر..؟!
ثم إن التهديدات الإيرانية المتواترة واضحة جداً، كتصريح (علي أكبر ولايتي) من بيروت 2016 والذي أكّد فيه أن الحشد الشعبي بعد مواجهة داعش قادر على مواجهة مثيري الشغب في بغداد..!!
بل إنّهم أقدموا بالفعل على إراقة دماء الصدريين، فما حصل في ساحة التحرير بتاريخ 11/ 2/ 2017 من استهداف للمتظاهرين العُزّل ـ على يد مرتزقة إيران ـ وقتلهم بدم بارد كان رسالة واضحة من الإيرانيين للصدر بأنهم لا يتوقفون حتى عند حدود الدم للحفاظ على مصالحهم ولو بالانتصار لساسة الفساد..!!