لبنان يلفظ أي محاولة لإلحاقه بالنماذج التوتاليتارية، وفي تكوينه لا يمكن أن يكون منفصلا عن محيطه العربي، فالانتماء العربي ليس انتماء ظاهريا أو شكليا للبنان بل هو عنوان وجود واستمرار
 

كل الأرقام والمؤشرات المالية والاقتصادية تشير إلى أنّ لبنان لا يزال يسارع للوصول إلى الهاوية. الدين العام وصل إلى مئة وثمـانية عشر مليار دولار، فيما عجز المـوازنة السنوي يتجاوز الستين بالمئة، في موازنة لا تتجاوز السبعة عشر مليار دولار.

الموارد المالية تتراجع فيما الضرائب التي يجري رفع منسوبها لا تكفي لسد العجز، بل تزيد من مخاطر الانهيار المالي في البلد، ولا يمكن مهما حاول رئيس الوزراء سعد الحريري، عبر حكومة الوحدة الوطنية، أن يروّج لنظرية فصل الاقتصاد عن السياسة، فإنّ المؤشرات تدحض كل هذه النظرية التي تظهر أنّ مسار الاقتصاد والتنمية انحداري، ولا يبدو أنّ إمكانية لجمه متاحة في ظلّ الإصرار على تغيير هوية لبنان ودوره التاريخي في محيطه، وعلى مستوى المنطقة العربية والعالم.

الإشارة إلى هذا الجانب الاقتصادي والمالي تأتي وسط عجز متنام للسلطة السياسية، سواء تلك اللصيقة بحزب الله والمشروع الإيراني أو البعيدة عنه، عـن القيام بأيّ إجراء يعطي الثقة في إمكانية الخروج من النفق الذي صارت البلاد فيه، ذلـك أن ثمة خطابا طاغيا في الحكومة وعلى مستوى السلطات يتعامى عن الوقائع التي يعيشهـا لبنان اقتصاديا وماليا، ويعتمد وسيلة النعامة التي تضع رأسها في الرمال حين مواجهة أيّ خطر.

فيما يذهب البعض منهم إلى تعليق الفشل والعجز على مشجب اللاجئين السوريين، عبر محاولة رخيصة لتحميل اللاجئين فشل السلطة السياسية في مواجهة الأزمة، وتحميلهم مسؤولية العجز المالي، لتغطية عملية النهب المنظم الذي جعل المال العام هدفا للمحاصصة وللصفقات المشبوهة التي تشكل مصدرا من مصادر مراكمة الثروات غير المشروعة من جهة، ووسيلة من وسائل ترسيخ الزبائنية السيـاسية التي تفـرض على المـواطن حصرية تحصيل بعض حقـوقه من باب الولاء السياسي أو المذهبي والطائفي لا من باب حقوقه، كمواطن من جهة أخرى.

هذه الزبائنية والصفقات المشبـوهة ليست جديدة كما يعلم القارئ، هي موجودة دائما، لكنها في لبنان تنامت بشكل غير مسبوق، فعلى سبيل المثال تمت في السنوات العشر الماضية أكبر عملية نهب للأملاك العامة من الأراضي بقوة نفوذ السلطات الحـزبية المشاركـة في الحكومـة، وساهم نفوذ السلاح غير الشرعي في التغطية على هذه العمليات بشكل مباشر أو من خلال إضعـاف وتهميش سلطـة القانون في مواجهة المحميين والمستقوين بالسلاح غير الشرعي.

العجز لا يولد الثقة ولا يشعر صاحبه بأنّه يسير على أرض ثابتة، فعلى الرغم من الاستعراض السياسي والعسكري والإعلامي اليومي لحزب الله وحلفائه بأنّهم يستطيعون الإمساك بمفاصل الدولة ويتحكمون بخياراتها السياسية الخارجية والداخلية الأمنية والسياسية، فإنّ ذلك لم يوفر الشعور بالثقة والقوة، بل ثمّة ما يجعل هذه القوى – وعلى رأسها حزب الله- قلقة من الأرض التي يدّعون السيطرة عليها.

فلبنان يتداعى تحت نير هذا الانتصار المزعوم، والدولة تسير إلى المزيد من الهشاشة وعدم القدرة على بعث الثقة في نفوس المواطنين، فيما سلطة حزب الله لا تحمل إلى اللبنانيين إلا الوعود بحروب متتالية لا مجال لنهايات لها.

ولعلّ التهديدات التي باتت تطلق بشكل متنام تجاه كل المواقف المعترضة على حزب الله وتورطاته الخارجية وعلى استقوائه على الدولة، هي ما يوفره حزب الله وحلفاؤه من قوت يومي للحياة السياسية اللبنانية.

هكذا يلمس اللبنانيون اليوم محاولات حثيثة لتطويع التنوع اللبناني في بوتقته، وعلى قاعدة أنّ حزب الله هو المقدس وما عداه مدنس إن كان مغايرا ومختلفا ومن “المؤلفة قلوبهم” إذا كانوا يحسنون ترداد ما يقوله قادة هذا الحزب ورموز المحور الإيراني الممتد على طول الهلال الممتد من طهران إلى بيروت.

سطوة حزب الله يمارسها هذه الأيام باليد الناعمة التي نجحت إلى حد بعيد في تطويع معظم وسائل الإعلام اللبنانية، ويمكن لأي متابع لوسائل الإعلام هذه أن يلاحظ كيف أنه أمكن لهذا الحزب تطويعها إلى حد كبير، كما أطلق حزب الله العنان لبعض المحيطين به لإطلاق التهديد بالقتل لكل من يناوئ مشروع حزب الله من دون أن تتحرك السلطات القضائية، بل تحركت أجهـزة السلطة القضـائية عنـدما قـامت إحدى المغرّدات بتوجيه نقد قاس لوزير الخارجية جبران باسيل. على هـذا المنوال يجري تطويع الرأي العام، وبهذا الأسلوب يحاول حزب الله وحلفاؤه تسيير البلد وإدارته.

هذا النمط من إدارة البلد هو ابن تجربة السلطات العسكرية والأمنية التي لا تملك في رصيدها أيّ ثقافة للحكم خارج القوة والفرض والقمع، وهذا قد ينجح إلى حد ما وفي ظرف محدد ولكنّه غير قابل للاستمرار في بلد كلبنان.

فلبنان كما يقول تاريخه منذ تأسس هذا البلد، أن أي سلطة مهما بلغت من القوة والبطش لا تستطيع تطويع التنوع الذي قام عليه لبنان، ولا مساحة الحرية التي ظلت عصيّة على كل السلطات والاحتلالات لهذا البلد، وهذه الميزة ليست طارئة على لبنان بل هي عميقة وتأسيسية لهذا الوطن ولهذه الدولة، وهي لذلك مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعته الاقتصادية والاجتماعية، وأيّ إخلال بشروط الديمقراطية والحريات ينعكس بالضرورة على الاقتصاد.

لبنان يلفظ أيّ محاولة لإلحاقه بالنماذج التوتاليتارية، وفي تكوينه لا يمكن أن يكون منفصلا عـن محيطه العربي، فالانتماء العربي ليس انتماء ظاهريا أو شكليا للبنان، بل هو عنوان وجود واستمرار ومعنى له، وكلما حاولت السلطات المتعاقبة جرّه إلى مكان آخر كان لبنان يرفض بطبيعته هذا التطويع والفرض بالانفجار في وجه من يحاول ذلك.

بهذا المعنى لبنان يقلق حزب الله اليوم، ويجعله غير واثـق من قدرته على الإمساك به، البلد يفاجئ الجميع في قدرته على التفلّت من نير العبودية، يطلق حركة مقاومة لكل سلطة تسعى إلى تغيير عناصر وجوده وتنوعه الفعلي، لبنان بلا حريات وبلا اعتراض وبلا حيويات سياسية وثقافية يموت، ولأنه عصي على الموت فهو يتعب بل يقضي على كـل من يحاول مصادرته أو جعلـه على صـورته الخاصة، الاقتصـاد يرفض هذا النمـط من الاستقواء والتنمية أيضا، والحياة اللبنانية ترفض التنميط لذا تعلن كلها أنّها عصية على الاستحواذ والحياة.

لبنان وطن أكبر من خطاب أيديولوجي تعبوي، وأعمق من فكرة طارئة تظن أنّها تحكـم وتسيطـر، وعصي على أي احتـلال ولو كـان من داخلـه، الحـرية ليست فيـه موجـة عابرة بل موجـة كفيلـة بـأن تطيـح بكل طاغية سواء كان فكرة أو محورا أو رجلا.