رحم الله والدي الذي عصيته وتأخرت كثيرا حتى استبصرت بنور حكمته
 

هكذا قال لي والدي رحمه الله وعصيته !
في سنة 1980 سافرت إلى إيران لدراسة العلوم الإسلامية في حوزة مدينة قم ورجعت إلى لبنان سنة 1987 لأتفرغ إماماً لمسجد من مساجد بلدتي كفرصير الجنوبية محمولا بمشاعر ثورية هائجة جعلتني مسكونا بهاجس تغيير العالم كله في شرقه وغربه بأفكار الإسلام وفتاواه ؛ معتقداً بأن الله تعالى ليس راضياً على أحد من خلقه ولن يدخل الجنة سوى من كان معتقده كمعتقدي وسياسته كسياستي .

إقرأ أيضا : عقل معاوية مصدر ثقافة الإسلاميين
في يوم من أيام شهر رمضان المبارك التقيت بشيوعي متظاهر علانية بإفطاره على الشارع طلبت منه التستر على إفطاره إحتراما لحرمة شهر رمضان المبارك أجابني بكل تهذيب وأخلاق بقوله :" فليلتزم كل إنسان بقناعته طالما لا تؤذي الآخرين"  فلم يعجبني كلامه السليم الصحيح  بل أغاظني ووترني وفتح شهيتي لكي أشن هجوماً عنيفاً من منبر المسجد وعلى مكبرات الصوت الخارجية  على أفكار الشيوعيين   وكنت مطلعا على طبيعة المادية  الديالكتيكية عقيدتهم لكنني ركزت على إلحادهم  بالتحريض عليهم لإثارة الناس  المتدينة بفطرتها ضدهم   ولا أخفي عليكم بأن قلبي كان مشحوناً بالبغض الشديد وبلا حدود للمقاومة الفلسطينية بكل فصائلها وأحزابها وحلفائها اللبنانيين وبخاصة الشيوعيين حيث كنت مقتنعا بأنهم هم سبب دمار وطني لبنان وخرابه وكنت مقتنعا بأنهم قد حَمَّلوا لبنان واجباً فوق طاقته ومشروعاً فوق قدرته ولم أعد أراهم سوى عصابات وبنادق مرتزقة للإيجار  لدولة هنا ودولة هناك  وسبباً  للفلتان الأمني الذي أُصِيبَ به لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه حتى حول الحياة فيه إلى جحيم لا يُطاق ، وسبباً لتعرض بلدتي لقصف إسرائيلي أدى إلى استشهاد مختارها الشهيد الحاج إبراهيم قميحة رحمه الله القصف الذي أورثني الرعب الشديد  ولا أخفي عليكم سراً بأن كل حقدي على الشيوعيين كان مشحونا بخلفيتي الدينية العقائدية التي ترى الإلحاد هو أعظم خطراً على الدين وقيم الإنسانية الفطرية من كل خطر بالوجود  لكن وبعد مرور نحو عقد  وبعدما سمعت السيد محسن ابراهيم أمين منظمة العمل الشيوعي وكثيرا من قياديي الحزب الشيوعي يُقِروُّن ويعترفون بأنهم قد أخطؤوا خطئاً فادحاً حينما تحالفوا مع المقاومة الفلسطينية لتغيير النظام السياسي الطائفي البغيض في لبنان وحَمَّلوا لبنان واجب تحرير فلسطين الذي هو أعظم بألف مرة من طاقة لبنان وقدرة شعبه على تحمله وبعدما  اعتذروا من الشعب اللبناني عن هذا الخطأ.

إقرأ أيضا : الإنفتاح الإجتماعي في البيت النبوي

وبعدما بدأت أتطور فكرياً وسياسيا نتيجة القراءات والحوارات والنقاشات المتنوعة المتعددة  وبعد تجربتي في العمل السياسي والتجربة هي من أغنى مصادر المعرفة في كل حقول الحياة بعد كل ذلك صار الشيوعيون في بلدتي من الأصدقاء المحببين لقلبي وصرت أرى نظافة أكفهم وإخلاصهم لقضايا الشأن العام بأرواحهم  المشبعة بالقيم الإنسانية .
 رحم الله والدي الذي عصيته وتأخرت كثيرا حتى استبصرت بنور حكمته.