في نظرة متأنية للواقع العربي تبرز بوضوح ملامح الإنحطاط والخذلان والهزائم التي ضربت بلاد العرب من المحيط إلى الخليج في هذه اللحظة المصيرية من حياة الأمة التي لم تشهد أحداثا أكثر قساوة ووحشية ودموية كالتي تعيشها اليوم على الأقل في العصر الحديث، والتاريخ العربي ستنضح صفحاته السوداء بدماء الأبرياء ودموع الثكالى وعويل الأجنة في بطون الأمهات رعبًا وهلعًا مما تتعرض له الشعوب من جرائم بالقتل والذبح واستباحة للأعراض ولكل من تدب فيه الحياة.  فالربيع العربي الذي ضرب أحد الأقطار وتفشى كالمرض المعدي في العديد من الدول العربية وبسرعة قياسية فإنه لم يكن ربيعًا ولم يكن بردًا ولا سلامًا على الشعوب، بل كان جحيما لا يطاق ونارًا تلتهم ما يصادفها في الطريق من بشر وحجر، وأهوالًا كأهوال يوم القيامة تقشعر منها الأبدان وتشيب منها الأطفال، وكانت رياحًا عاتية حمراء وصفراء لم نقرأ أمثالها إلا في كتب الأولين، ولا يبدو أنها تشبه إلا تلك التي ضربت أقوام نوح وعاد وثمود.

إقرأ أيضًا:  ملف النازحين السوريين وضرورة النظر إليه بعين إنسانية مسؤولة ومع أصداء الصيحات الأولى ايذانًا بإنطلاق مسيرة الربيع العربي راودت الشعوب العربية أحلامًا وردية وأمالًا تفاؤلية بإقتراب لحظة إسقاط الدكتاتوريات الفجة وهز عروش الطغاة وزعزعة أسس وركائز أنظمة الإستبداد، والتخلص من جبروتهم وطغيانهم، إلا أنه سرعان ما تبعثرت هذه الأحلام وتلاشت الآمال واندثرت معالم الحياة بسكين الإرهاب وسيف جماعات متفلتة لفظتها شعوبها حاملة أفكارًا من العصور الحجرية لتفرضها على المجتمعات التي تغلغلت بين شرائحها - في غفلة من الزمن - بقوة القتل والذبح والإغتصاب وبأساليب متوحشة تفتقد إلى الحد الأدنى من الحس الإنساني بل هي أكثر فتكًا من الوحوش الضارية التي ترتع افتراسًا في مجاهل الغابات النائية وذلك تحت مسمى زورًا وبهتانًا وافتراءًا تطبيق الشريعة الإسلامية.  وفي ظل هذا الواقع المريع والمأساوي أصبح الهاجس الأول لدي الدول العربية التي وقعت أسيرة الربيع العربي مثل ليبيا واليمن وسوريا والعراق الذي كان قد سبقهم بسنوات هو الخلاص من الإرهاب الذي بات لا يوصف بأقل من كونه وباءًا وكارثة وبلاءًا وابتلاء يضرب الأمة العربية في الصميم.  وإذا كانت الجماعات الإرهابية تمكنت من الفتك بكل ما وقع بين يديها وتحت سلطتها من إستخدام أساليب الترويع والإجرام لفرض مفاهيمها وثقافتها التي لا تمت إلى الجنس البشري بصلة على مناطق اقتطعتها من الأراضي العراقية والسورية في المنطقة الحدودية بين البلدين وأعلنتها كنواة لأطلاق الدولة الإسلامية في العراق والشام تحت قيادة الخليفة أبو بكر البغدادي الذي فرض على الناس أخذ البيعة له بحد السيف فإن محاربة هذه الجماعات التكفيرية بهدف القضاء عليها تكفل بسحق ما تبقى من معالم للحياة في دولة الخلافة وجوارها ذلك أن العناصر المسلحة من هذه الجماعات الإرهابية التي تغلغلت داخل المدن والقرى وفي الأحياء والزواريب وإستخدمت الناس كدروع بشرية فرضت على الجيوش والوحدات والحشود الشعبية المكلفة بمحاربة الإرهابيين تعتمد سياسة الأرض المحروقة تدميرًا وتخريبًا وقتلًا واعتقالًا في السجون عدا الإعدامات الميدانية التي تعفيهم من عناء المحاكمات القضائية.

إقرأ أيضًا:  من عرسال إلى الرقة إلى الموصل وكان تنظيم داعش عرض في حدود دولته بأنه سوف يأخذ العالم بالإرهاب والرعب ولكن ليس بدءا بأسرائيل بل بالمسلمين العاجزين عن فهم المعنى الحقيقي للدين.  وبدت المشاهد المرعبة على مرأى العالم كأحراق الطيار الأردني في قفص وارهابي ملثم يحز رأس ضحيته بكل فجاجة وجزار آخر يقطع رؤوس مجموعة من العمال الأقباط في ليبيا.  فداعش أربك الإستقرار العالمي ما استدعى قيام تحالف دولي واسلامي وعربي لمحاربته وبدت بوادر زوال دولته في الموصل والرقة إلا أن الرعب يغزو العالم في كل مكان خوفا من المستقبل فكما أن داعش ولد من تنظيم القاعدة فإن الخوف من ولادة داعش رقم 2 أكثر عنفا وإجرامًا وظلامًا من داعش البغدادي.