«إنّ مجموعة الأحداث المتسارعة، من سوريا الى العراق الى الخليج ومصر وصولاً الى فلسطين. تَشي بأنّ المنطقة على عتبة تحولات كبرى تقلب الصورة عمّا كانت عليه في السنوات الاخيرة ربطاً بالأزمات التي اشتعلت في غير مكان».
 

تلك خلاصة تقرير ديبلوماسي، يشبّه تلك الاحداث بقطع من رقعة «بازل» يجري تركيبها لخريطة الشرق الاوسط الجديد ولملامح نظام إقليمي جديد بكل تحالفاته وتناقضاته وتموضعاته وتحولاته الجديدة.

يُضيء التقرير على «نتيجة جوهرية» لمجريات الحرب ضد «داعش» ربطاً بتطورات الميدان وبالإعلانات الصادرة من واشنطن وموسكو حول هذه الحرب، تَشي بأنّ حقبة هذا التنظيم الأسود تَتجه لأن تصبح خلفنا.

هذه ليست فرضية متفائلة او مفتعلة او بعيدة عن الواقع، بل حاكَتها الوقائع على الارض؛ في العراق تحرّرت الموصل، وفي سوريا يحقّق الجيش السوري تقدمات وتوسّعات ميدانية ويمدّ سيطرته اكثر في أماكن سيطرة المعارضة والمجموعات الارهابية، وبات سقوط الرقّة أمراً محتماً.

وانحسرت المواجهة مع التنظيمات التكفيرية في ما يمكن تسميتها «المربعات الأخيرة»؛ في البادية (بالنسبة إلى «داعش»)، وفي محافظة ادلب (بالنسبة إلى «جبهة النصرة»). يضاف الى ذلك الإعلان الروسي عن «انتهاء الحرب الأهلية في سوريا»، بعد نجاح تجربة مناطق خفض التوتر».

كلّ ذلك، يؤشّر بحسب التقرير الى انّ ثمة تحولاً استراتيجياً في المعركة لصالح التحالف الروسي- السوري - الايراني، الّا انّ هذا التحول يبقى لا يَكتمل الّا مع ربح معركة السيطرة على المعابر، في دير الزور والتنف. بما يعيد التواصل الجغرافي بين إيران وسوريا، مروراً بالعراق، ووصولاً إلى لبنان.

وكلّ ذلك، وكما يستنتج التقرير يأتي على حساب التحالف الذي تقوده واشنطن، التي لا يمكن ان قبل بانقلاب الصورة لمصلحة المحور المعادي لها، ومن هنا جاء التصعيد الذي رعته مباشرة في المثلث الحدودي بين سوريا والاردن والعراق (التنف).

أهم ما يلفت اليه التقرير هو تشكّل محور آخر في مكان آخر وبرعاية أميركية مباشرة، وضعت حجر الاساس له زيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الى السعودية. ولعلّ الترجمة الفورية لبناء هذا المحور، تجلت باشتعال فوري للأزمة الخليجية ووضعت قطر في دائرة العزل. والضغط..

فالمسألة، كما يلحظ التقرير الديبلوماسي، أبعد من قطر وإن كانت ما زالت هي العنوان الظاهري للأزمة التي تصاعدت إعلامياً وسياسياً بشكل ملحوظ في الفترة الاخيرة، وبالتالي كانت قطر مجرد معبر الى «المحور الآخر» برعاية واشنطن.

ومن الواضح، كما يشير التقرير، انّ السعودية تشكل أساس المحور وعصبه، وبَدا جليّاً الإصرار على تحصينه وتفعيله من خلال ضَمّ مصر إليه بضغط اميركي رَمى بداية لى احتواء التوتر بين القاهرة والرياض، الذي اشتعل بعد الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري مطلع السنة الحالية، وقضى بتثبيت السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير.

ولم تكن مفاجئة استجابة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السريعة للرغبة الاميركية بإطفاء فتيل التوتر مع السعودية عبر تمرير اتفاقية الحدود البحرية بين مصر والسعودية في البرلمان المصري خلال ايام قليلة متجاوزاً بذلك الاصوات الاعتراضية على هذا الامر التي تعالت في الداخل المصري. وممّا لا شك فيه انّ هذا المحور قابل للتوسيع أكثر ليشمل دولاً أخرى في المنطقة، عربية واسلامية وغير عربية وغير اسلامية.

وهذا معناه تحالفات جديدة بين بعض الدول، وتنسيق اكيد في بعض الملفات في المنطقة ولاسيما الملف الايراني، وكذلك صياغة تسويات مشتركة وعلى وجه الخصوص حيال القضية الفلسطينية بما يعني إنهاءها وفي أحسن الاحوال تقزيمها.

لكن ما يؤكد عليه التقرير هو انّ أضلع هذا المحور (الاميركي)، السعودي، الاماراتي، المصري مع دول اخرى وكذلك أضلع المحور الروسي الايراني السوري، وفي ظل خلط الاوراق الجارية في الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب التحالفات والتموضعات، لا تكتمل في أيّ منهما من دون عنصر فاعل، هو تركيا التي تسعى الى تحقيق اختراق هنا أو هناك، عبر محاولة إبراز نفسها كبيضة قبّان، من شأن خيارها أن يرجّح الكفة للمحور الاول او الثاني.

ويخلص التقرير الى انّ الموقف التركي سيكون حاسماً في هذا المشهد الاقليمي الجديد، وبالتالي تركيا تقف اليوم على مفترق ثلاث خيارات: الاول، ان تسلك خياراً وسطياً لا مع المحور الاول ولا مع المحور الثاني بما يمنحها هامشاً للمناورة والاستفادة من التناقضات. والثاني، أن تجدّد، ومن خلفية تطويق الاكراد وإضعافهم، تحالفها مع الولايات المتحدة وبما يرجّح بالتالي كفة المحور القائم برانضمامها له.

والثالث، أن تختار التحالف مع روسيا ومعها إيران بما يجعلها لاعباً وازناً في المنطقة، يُمكّنها من مقارعة قوى أخرى على ما هو الحال مع الورقة القطرية التي قررت الإمساك بها.