لم ينحصر تحذير الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله بضرورة طرد المجموعات المسلحة بالوضع الميداني المتوتر في جرود عرسال. فالموقف وما تلاه من ردود فعل، ﻻ يمكن وضعه خارج سياق الضغط على الجيش ومحاولة زجه في مواجهات هجومية عوضا عن القرار الدفاعي الذي كانت اتخذته قيادة الجيش
 

حماسة "حزب الله" لمعركة الجرود كما التباين الوزاري حول طرق التعامل مع أزمة النزوح السوري والدعوة المستجدة لمفاوضة النظام في سوريا، كلها عوامل تساهم بحشر رئيس الحكومة في الزاوية، خصوصاً مع كثرة الإشارت الممتعضة خليجياً من اداء الحريري العام المتسم بـ"اﻻستسلام" و"التنازل" .

لعله هنا بيت القصيد. ففي ميزان "الذهب" الذي تلجأ إليه دول الخليج العربي وتحديداً السعودية لقياس تعاملها مع لبنان، تعتبر أنشطة "حزب الله" العسكرية ودوره في سوريا واليمن و البحرين، مضرّة بمصالح بلدانها وتلحق الضرر البالغ بأمن وإستقرار الخليج، وبالتالي فإن أنشطة "حزب الله" خارج لبنان ﻻ يمكن تفهمها، كما لا تندرج في مبررات التهدئة لصون الوضع الداخلي في لبنان وتحييده عن حروب المنطقة وأزماتها .

ثمة خيط رفيع، وفق المطلعين، بين محاولات تحييد لبنان عن الصراعات والتجاذبات العربية وبين التماهي مع المشروع اﻻيراني القائم على التوسع في ارجاء العالم العربي، ودائما بحسب الرؤية الخليجية. من هنا يأتي التوجه تالسعودي القائم على التشدد بما يخص "حزب الله"، و الذي يأتي خارج سياق تفهم طبيعة لبنان السياسية واستيعاب توازناته الدقيقة، والتي أعطت للحريري هوامش سمحت له بتمرير التسوية مع الحزب والسير بالعماد ميشال عون رئيساً.

ووفق مقاربة ديبلوماسية للعلاقة بين الخليج ولبنان في ظل معضلة "حزب الله" المتشابكة، لا تزال السعودية حتى الآن تتابع الملف اللبناني بتشعباته الداخلية واﻻقليمية، على رغم اﻻنشغالات الكثيرة بأوضاع اليمن والحرب الدائرة في سوريا وقد أضيف لها اﻻزمة مع قطر .

ليس من شكوك في قدرة السعودية نظرا إلى حجم نفوذها بالداخل اللبناني، الذي هو في صلب اللعبة الداخلية، ما يجعل أي رئيس حكومة يحسب الف الحساب، وهي بالتالي كانت الممر الطبيعي ﻻمرار انتخاب العماد عون، وهي قامت بتسهيل ولادة العهد الجديد والحكومة الجديدة وأوصلت الحريري إلى سدة رئاسة الحكومة، غير ان سياسة الحريري القائمة على التنازل المطلق في سبيل ضمان رئاسة الحكومة تزيد من حراجة موقفه .

أكثر من ذلك، قيل الكثير عن جهود بذلها الحريري ﻻقناع السعودية جدوى إبرام تسوية مع "حزب الله" تحت سقف الحسابات اللبنانية فقط، وتسربت أجواء مصدرها "بيت الوسط" بأن السعودية سهّلت عمليا وصول الجنرال عون، مقابل ضمانات بعدم إنحياز لبنان صوب المشروع اﻻيراني. اما اليوم فترد تقارير لدوائر القرار في الرياض غير مطمئنة عن اداء الحريري نظراً إلى حجم التنازل في اﻻدارة والحكم ما جعل رئيس الحكومة بمثابة الحلقة الاضعف في توازن القوى، وهذا ما يزعج حكما اولياء اﻻمر في السعودية .

وقد أتت اﻻزمة مع قطر لتصب الزيت على النار، خصوصا مع القرار القطري بإعفاء اللبنانيين من سمات الدخول، مما أثار توجسا سعوديا من الجوانب اﻻمنية، كما من المستفيدين من هذه الخطوة .

ومن الدلائل اﻻساسية لحجم اﻻنزعاج السعودي مؤشران: اﻻول، عدم السماح لرعايا مجلس التعاون الخليجي بالتوجه إلى لبنان خلال موسم اﻻصطياف، والثاني، وهواﻻهم تحميل المسؤولية للحكومة اللبنانية في حال ثبوت تورط عدد من اللبنانيين بأنشطة امنية في الخليج.

والملفت هو إعتماد السعودية تاريخياً سياسة قائمة على التمنيات في إمرار توجهاتها، وثمة مؤشرات عن حصول عمليات تمرد داخل تيار "المستقبل" غير بعيدة عن توجهات سعودية، قد تكون لها مفاعيلها قبيل اشتعال معارك اﻻنتخابات النيابية.

وفق ما تقدم، وكما يروي أصحاب الشأن، فالسعودية قد تتخلى عن إسلوبها في التمني، وربما قد تقدم على خطوات ملموسة على غرار الدول المؤثرة، ويمكن الجزم بأن صبرها شارف على النفاذ وصمتها لن يستمر طويلا في ضوء الوضع القائم .