ليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها التساؤلات الملحاحة والمشككة في عملية من عمليات الجيش اللبناني على الأرض اللبنانية؛ فقد قام الجيش في الأسبوع الماضي بالهجوم على مخيم عشوائي للاجئين السوريين ببلدة عرسال، يُعرف بمخيم النوَر، قُتل فيه خمسة لاجئين قيل إنهم فجّروا أنفسهم بأحزمة ناسفة. وعلى أثر ذلك قام الجيش بالقبض على كل ساكني المخيم وعددهم نحو الثلاثمائة والخمسين. وبعد يومين أو ثلاثة أعلن الجيش عن توقيف أربعين منهم بالتمام والكمال بتهمة الإرهاب (لا 39 ولا 41!)، ومات أربعة أو خمسة أو ستة من الموقوفين، أظهرت الصور التي التقطت لجثثهم التي سُلِّمت لأهاليهم تعذيباً بالغاً وتشوهات، بينما أعلن الجيش أنهم إنما ماتوا بسبب الظروف المناخية (شدة الحر)! وتحت إلحاح وسائل الإعلام والتواصل، والمنظمات الدولية، قال الجيش إنه شكّل لجنة تحقيق، ونقطة على السطر.
والحدث الآخر ذو الدلالة والذي نُشر في وسائل الإعلام، قيام مائة وخمسين من تلامذة المدرسة الحربية يرافقهم مدير مخابرات الجيش في الجنوب، ومسؤولون من «حزب الله»، بزيارة مليتا ومتحفها الحزبي الذي أقامه الحزب في تلك البلدة الجنوبية، تذكاراً لانتصاراته على العدو الإسرائيلي. وعندما تكلم الصحافيون مع بعض المسؤولين عن ذلك قالوا لهم إن الواقع أعظم وأقدم؛ إذ منذ العام 2008 فإن الضباط الشبان لهم زيارة سنوية تبجيلية وتعليمية إلى ذلك الموقع!
منذ قرابة خمس سنوات يشن الجيش عمليات على الأرض اللبنانية بذريعة مكافحة الإرهاب. وقد قبضت مخابراته على المئات وربما الآلاف من اللاجئين السوريين، ومن الشبان السنة. ولا عمل للمحكمة العسكرية تقريباً في السنوات الأخيرة غير محاكمة أولئك المقبوض عليهم بذرائع مختلفة. وما شكّك أحدٌ في «عدل» ما يقوم به الجيش في سائر المناطق السنية، ولا يطالب أحدٌ إلا بتسريع المحاكمات!
وهناك شواهد على أن أجهزة الجيش والأمن العام في السنوات الأخيرة إنما كانت تقوم بعمليات مشتركة مع الحزب ضد شبان السنة مثلما حدث في واقعة عبرا مع جماعة أحمد الأسير، ومرات عدة في بلدة عرسال وجوارها، بل وفي طرابلس وعكار ومجدل عنجر.
إنما في الشهرين الأخيرين، وبعد إعلان حسن نصر الله عن تسليم منطقة عرسال وجوارها للجيش؛ فإن حملات «محور المقاومة» تصاعدت على اللاجئين باعتبارهم حاضنة للإرهاب، وهذا كلامٌ كرره رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، وفي اجتماع اقتصادي يوم 10- 7 - وهذا إلى مطالبة الحكومة بالتواصل والتفاوض مع النظام السوري على إعادتهم إلى ديارهم. وكانت الحكومة اللبنانية قد عقدت اتفاقاً مع المنظمات الدولية التي تساعد اللاجئين، على عدم طردهم أو إعادتهم إلا لمناطق آمنة، بحسب شروط وتقديرات تلك المنظمات.
إن الطريف وذا الدلالة، أن النظام السوري ذاته، واتصالاته مع الأجهزة الأمنية اللبنانية والمتعاونة من خلال لجنة تنسيق قائمة ومتواصلة؛ ما قال كلمة ولا قدَّم عرضاً بشأن استعادة المواطنين السوريين أو السماح لهم بالعودة وهو الذي طردهم وهجَّرهم وقتلهم بالتعاون مع «حزب الله» والميليشيات الإيرانية والمتأيرنة الأُخرى. ولذلك؛ فإن المقصود ليس إعادة اللاجئين، بل إرغام الحكومة اللبنانية على الاعتراف الرسمي والعلني بالنظام من جديد، بعد أن اعتبر أنه كسب المعركة، وبخاصة أن رئيس الجمهورية والحزب هما اللذان يقودان معركة الاعتراف من جديد، والتي لا تجد اعتراضاً حقيقياً من أي جهة. وإنما الذي حصل أن رئيس الحكومة والدكتور جعجع طالبا بأن يكون التواصل والتفاوض من خلال الجهات الدولية، الراعية للجوء السوري في لبنان. بعد عملية عرسال، نشرت صحف الممانعة وقنواتها أخباراً عن اقتراب معركة عرسال كأنها لم تحصل بعد! وهذا كله للتخويف والإسكات والتسليم، وأحسب أن عملية الجيش الأخيرة إنما تدخل في السياق نفسه، ولها الهدف نفسه: استمرار السكوت على انتهاك أمن الحدود، واستمرار السكوت على إرهاب اللاجئين، وإرهاب السنة!
ولندع مسألة اللاجئين مؤقتاً، ما دامت القضية الحقيقية أمنية وسياسية. بحسب الدستور؛ فإنه لا وجود مسلَّحاً شرعياً على الأرض اللبنانية إلا للجيش والقوى الأمنية الرسمية الأُخرى. وقد أكد ذلك القرار الدولي رقم 1559 عام 2004، وكان الجيش ممنوعاً من السوريين و«حزب الله» من الدخول إلى منطقة الجنوب منذ العام 1992 إلى العام 2005. وبعد الحرب بين الحزب وإسرائيل، وتقدمها ست كيلومترات بالداخل اللبناني، فضلاً عما كانت لا تزال تحتله؛ صدر القرار 1701 الذي أدخل الجيش إلى الجنوب لحماية الحدود وتعاونه القوات الدولية. ورسمياً هناك اليوم في جنوب الليطاني منطقة فيها نحو الـ25 ألف عسكري لبناني ودولي، ومحظور على الحزب الدخول إليها. إنما في شمال الليطاني وعلى الحدود مع سوريا؛ فإن الجيش يتساكن ويتعاون مع الحزب، وبما يخالف القرارات الدولية، وسيادة لبنان وأمنه. وآخر مرة حاول فيها السياسيون اللبنانيون الحفاظ على السيادة، كانت الاجتماع بالقصر الجمهوري عام 2011 وصدور بيان النأي بالنفس، أي تحييد لبنان في النزاع السوري. إنما بعد أقل من سنة، أعلن الحزب عن التدخل العسكري في سوريا إلى جانب الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الإيرانية والمتأيرنة، ولا يزال. ولذلك؛ فإن المطلوب بالفعل أن يسري القرار 1701 كما في الجنوب على الحدود الشرقية مع سوريا، أو سيظل الحزب والنظام السوري يزعزعان أمن لبنان. ونحن نعرف أن نصر الله هدَّد قبل فترة بإدخال عشرات الألوف من الميليشيات المتأيرنة إلى لبنان لتحرير الأرض المحتلة (!). قال كثيرون للمسؤولين اللبنانيين كلاماً عن الـ1701 فابتسموا، وليس لأن الحكومة اللبنانية ينبغي أن تطالب مجلس الأمن بمدّ صلاحيات الـ1701 والحزب في الحكومة لن يقبل بذلك؛ بل - وكما قال المسؤولون - لأن الدوليين في السنوات الماضية استهتروا بأمن لبنان رغم المطالبة الملحاحة بذلك. والواقع أن السبب في ذلك ليس سياسات أوباما تجاه إيران وحسب؛ بل ولأن الحكم اللبناني استهتر بذلك؛ بدليل قول رئيس الجمهورية الحالي قبل شهور بأن الجيش غير قادر على ضمان أمن الحدود في الجنوب، وهناك حاجة إلى سلاح الحزب. وقد استدعى ذلك غضب مجلس الأمن لمخالفته للقرارات الدولية، ولأن سلاح الحزب غير شرعي، والأميركيون وبعض الأوروبيين يعتبرونه تنظيماً إرهابياً! وإذا كان الجيش ضعيفاً حتى في الجنوب، فكيف سيحمي الشرق ولو بمعاونة دولية؟! ولننظر كيف استطاع الأردن أن يجمع القوى الكبرى لحماية حدوده، وإبعاد الميليشيات الإيرانية عنها ما بين 30 و50 كيلومتراً. فلماذا يكون الأردن أعزَّ على العالم من لبنان، إذا أظهر لبنان حرصاً على سيادته؟! لقد ضغطوا الآن بقتل اللاجئين، وقد يضغطون بوسائل أخرى من أجل المزيد من الاستباحة.
ولنمض باتجاه موضوع الجيش بصراحة. إن سياسات الجيش في السنوات الأخيرة، تُظهر تفرقة وتمييزاً وخضوعاً للقرار الطائفي للمحور الإيراني. وقد كان رؤساء الوزارة السابقين، والرئيس الحالي، وبعد كل مقتلة يقوم بها الجيش (ولو لمعاونة الحزب)، يعلنون تأييدهم حتى قبل أن يعرفوا ماذا حصل حقاً. أما اليوم، وبعدما حصل في عرسال، وفي الجنوب، فإن السكوت من جانب أحرار لبنان يصبح جريمة. لقد سكتنا وسكت العرب عجزاً وانقساماً عن قتل الشعب السوري وتهجيره. ولا يدري أحدٌ ماذا سيكون عليه الأمر بعد «داعش» في سوريا والعراق. فلا أقلّ من أن يحاول الوطنيون اللبنانيون حماية ما تبقى من أمنهم وسيادتهم ودمائهم. وأول ما ينبغي التأكيد عليه أنه لا عودة إلى بيانات التأييد، ولن نقبل بها، كما لن نسكت عليها، ولا بد من المراقبة والمحاسبة، والاحتكام إلى الطائف والدستور والقرارات الدولية، وحقوق الإنسان، أو لا يكون استقلالٌ ولا دستور، بل عمل من جانب الجيش والأجهزة الأمنية لإحقاق الغلبة الفئوية!