لن يؤدّي تعيين الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد السعودي إلى تغييرات لافتة في سياسة المملكة العربية السعودية الجديدة إزاءَ لبنان، فهذه السياسة الانفتاحية على الجميع، التي يعبّر عنها رئيس البعثة الديبلوماسية السعودية وليد البخاري منذ انتدابه العام الماضي إلى لبنان ستستمرّ، لأنّها بُنيت أساساً على توجيهات بن سلمان منذ توَلّيه عام 2015 مناصبَ ولي ولي العهد ورئيس الديوان الملكي والمستشار الخاص للملك بمرتبة وزير إلى جانب منصبه كوزير للدفاع، وهذه المناصب ما زال يتولّاها بعد تعيينه ولياً للعهد أمس
 

لا يعتقد العارفون بالشأن السعودي أنّ تغييراً كبيراً سيطرأ على السياسة السعودية المعتمدة خارجياً سواء بالنسبة الى لبنان، او بالنسبة الى بقية القضايا في المنطقة، من سوريا الى العراق وإيران والبحرين واليمن وغيرها، خصوصاً انّ في الأفق مؤشرات على أوامر ملكية جديدة ستصدر في قابل الايام والاسابيع، تستكمل سابقاتها.

ويقول هؤلاء إنّ هذه السياسة السعودية لم تبدأ الآن، بل بدأت منذ تولّي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز العرش في 23 كانون الثاني 2015 خلفاً للملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز، وكذلك تولّي الامير محمد بن سلمان في اليوم نفسه رئاسة الديوان ووزارة الدفاع ومستشاراً خاصاً للملك برتبة وزير، قبل ان يعيّن ولياً لولي العهد في 29 نيسان 2015.

والذين يعرفون وليّ العهد السعودي الجديد، يؤكّدون انّ الرجل يتّصف بالجدّية والحزم في التعاطي مع الجميع داخل السعودية وخارجَها، وهذه الصفة
سيُظهرها ثباتُه على مواقفه المعلنة من إيران وقطر ومن مجمل الأوضاع في اليمن وسوريا والعراق والبحرين وغيره.

أمّا في الموقف من لبنان، فمِن الواضح أنّ مجموعة من القوى والقيادات السياسية أبدت ترحيبَها بتعيين بن سلمان ولياً للعهد، وأنّها ستسعى الى تعزيز العلاقات معه، ولكنّ الرجل، حسب عارفيه، لن يغيّر كثيراً في مواقفه المعلنة إزاء الشأن اللبناني، فالسياسة السعودية التي يعبّر عنها إزاء لبنان لم تعُد سياسة تعتبر أنّ مصير لبنان هو جزء من مصير المملكة، وإنّما هي سياسة تقضي الانفتاح على الغالبية الساحقة من الأطياف اللبنانية السياسية والطائفية والمذهبية.

وقد عكسَها البخاري من خلال الندوات والملتقيات التي تقيمها السفارة السعودية في بيروت، فضلاً عن زياراته وجولاته في مختلف الاتجاهات اللبنانية.
بغضّ النظر عن المهمّات، والقضايا الكبرى التي يتصدّى الأمير محمد بن سلمان لها، فإنّ الأوامر الملكية التي حملته إلى ولاية العهد خلفاً للامير محمد بن نايف، أكّدت في مطاويها استمرارَ نهجِ خادم الحرمين الشريفين القاضي بإشراك الجيل الشاب في العائلة المالكة وخارجها في تحمّلِ المسؤوليات العامة في المملكة.

إذ إنّ هذه الأوامر الملكية أسندت مسؤوليات في حقول وقطاعات سعودية مختلفة الى أمراء هم أحفاد وأبناء أحفاد الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، وهؤلاء من جيل ولي العهد الجديد في غالبيتهم.

ويَروي العارفون في شؤون المملكة أنّ الامير محمد بن نايف كان قد فاتَحَ الملك سلمان قبل ستة أشهر في أمر إعفائه من ولاية العهد، مؤكّداً له أنه يريد أن يرتاح وأنّ في إمكان ولي ولي العهد توَلّي منصبه وأنّ في العائلة كثيرين من جيله قادرين على تحمّلِ المسؤولية، «فلنحوِّل هذا الأمر الواقع إلى صيغة دستورية وملكية كاملة، وإنّي متنازل عن مهمّاتي من الآن، وعلى استعداد لوضع كلّ خبرتي وقدراتي وإمكاناتي في التصرّف».

لكنّ الملك سلمان استمهله، وقيل إنّ الإدارة الأميركية التي علمت بالأمر تمنّت هي الأخرى على الأمير بن نايف التريّث في التنحّي، نظراً لِما بين البلدين من قضايا وملفّات أمنية مشتركة يتصدّى لها ولا تزال تحتاج إلى متابعته الشخصية. ولكن مع صدور الأوامر الملكية فجر أمس، بدا أنّ كلّ الترتيبات الداخلية والخارجية باتت جاهزةً لتنحّي ولي العهد السعودي لمصلحة ولي العهد الجديد.