لا تبدو حركة حماس متضررة من المستجدات الاقليمية على المسرح الخليجي، مع الحصار المفروض من جانب السعودية والامارات والبحرين، إضافة إلى مصر، على قطر، التي تشكل عمقاً استراتيجياً لحركة الاخوان المسلمين التي تعد حماس امتداداً لها.

تشعر الحركة بالاستهداف، لكنها تقاوم الضغوط كي لا تصطف إلى جانب محور خليجي دون الآخر، علما أنها رفضت محاولات، ومغريات، للخروج من اصطفافها الحالي، لكنها لا تزال تصر على "الحيادية"، وخصوصاً في النزاع الخليجي.

بل ذهبت أبعد من ذلك، فقد شهدت الفترة الاخيرة، انفتاحاً من الحركة على محور ما يعرف بـ"الممانعة"، وعلى رأسه إيران، من ناحية، وعلى محور عربي تعد مصر أحد اضلاعه، علماً أن العلاقة مع القاهرة شهدت توترات في الماضي، من ناحية أخرى.

تحاول الحركة مسك العصا من الوسط، والأمر بالغ الأهمية بالنسبة اليها، فـ"الحصار" عليها في غزة مطبق من جميع النواحي. وزاد الأمر صعوبة ما تقول إنه تشديد لهذا الحصار عليها من السلطة الفلسطينية عبر اجراءات غير مسبوقة. ما أدخل القطاع في معاناة كبيرة من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد جاء ذلك مع خروج الحركة بوثيقة سياسية جديدة، وبمكتب سياسي على رأسه القيادي إسماعيل هنية، في رسالة واضحة بانفتاح حماس على جهات كانت على علاقة سيئة مع الرئيس السابق للمكتب السياسي خالد مشعل.

وتمثلت الخطوة الأولى بالنسبة إلى الحركة بعد انتخاب مكتبها السياسي، بالانفتاح على الطرف العربي الأهم بالنسبة إلى قطاع غزة، أي القاهرة.

يريد الحمساويون رفع الحصار عن القطاع وفتح معبر رفح، وتمثل مصر الرئة التي تتنفس غزة منها. وهو أمر ترحب به القاهرة التي تريد اجتذاب الحركة إلى محور باتت تمثل فيه عنصراً أساسياً إلى جانب السعودية والامارات.

وتحتاج القاهرة إلى طرف فلسطيني مؤثر على الساحة، في امكانه الانفتاح على الحركة الاصلاحية في فتح بزعامة محمد دحلان، الطرف الفلسطيني الأكثر قرباً من القاهرة.

وقد نجحت السطات المصرية في تقريب الصلة بين الحركتين الفلسطينيتين، خصوصاً أن حماس تعاني في علاقتها مع فتح بزعامة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي يبدو أن ثمة مسعى اقليمي- خليجي لإبعاده عن الزعامة لمصلحة قيادات فتحاوية أكثر قبولاً شعبياً، ومن الأسماء التي تتردد مروان البرغوثي وناصر القدوة.

ولم يقتصر التقارب بين حماس والحركة الاصلاحية في فتح، على مسرح القاهرة، فقد تم تواصل بين الطرفين في لبنان أيضاً، وكان اتفاق على مواجهة ظاهرة الإرهاب التي تتسلل إلى بعض الفئات الفلسطينية، وخصوصاً في مخيم عين الحلوة، حيث لدحلان قوة لا يستهان بها وقد دخل بمواجهات مسلحة مع حركات سلفية وتكفيرية في المخيم.

على أن هذا الأمر لا يعني شن الفصائل الفلسطينية معركة بوجه الإرهاب، اثبتت التجارب أنها أكبر من قدرة الفصائل على حسمها. لكن، في المقابل، ثمة خطة للعمل على محاولة اجتثاث ظواهر خطيرة لهذا الإرهاب، عبر عمل أمني مشترك، بالتنسيق مع السلطات اللبنانية. وقد بات بنك الاهداف جاهزاً.

في موازاة ذلك، فتحت الحركة صفحة جديدة مع طهران، وباتت زيارة هنية إليها على جدول أعمال القيادة في طهران، لكنها لن تأتي في اطار مستفز لبعض الأطراف، بل في اطار جولة عربية وإسلامية لهنية كونه بات على رأس قيادة حمساوية جديدة، وإن كان موعد الزيارة غير محدد وليس في المدى الزمني القريب.

أما العلاقة مع حزب الله، فيبدو أنها تستعيد، رويداً رويداً، شهر العسل القديم. وقد التقى الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله قياديين من حماس لثلاث مرات خلال العام الحالي. كان آخرها قبل أيام مع القيادي موسى أبو مرزوق.

يتفهم كل طرف سياسة الآخر وظروفه، ويبدو أن الحزب تجاوز تحفظاته السابقة على الحركة ربطاً بموقفها من القيادة السورية، من دون الإقرار بصوابية أو خطأ سياسة حماس على هذا الصعيد. ويرى الحزب في الحركة قائدة للمقاومة في فلسطين، ويعتبر أن انتصار المقاومة في غزة هو انتصار للمقاومة في لبنان، والعكس صحيح، بل إنه يذهب إلى اعتبار هذا الانتصار رفداً استراتيجيا لإيران ومحورها في المنطقة.

يشترك الطرفان في إدارك أهمية المرحلة واستعدادها لأي عدوان إسرائيلي على لبنان، يبدو أن لائحة الربح والخسارة تحول دون قيام الحكومة الإسرائيلية بعدوان كهذا.

لم تحرج حماس حزب الله في الطلب منه ايواء أي قيادي لها في مناطق نفوذه التي تحوي قياديي الحركة في لبنان، لكن التطورات الخليجية قد قربت كثيراً بين الجانبين، وعُلم أن الأزمة الخليجية كانت على مائدة اللقاء بين نصرالله وأبو مرزوق، في ظل توجس متبادل من نيات الإدارة الأميركية وما يتحدث عنه الجانبان عن "عنصرية" الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه المسلمين وعدم تفريقه بين سنة وشيعة. وإذا كانت داعش على رأس أولياته في المنطقة اليوم، فإن الغد سيحمل معه سياسة موازية تجاه الحركتين، كما ينقل متابعون لمواقف الطرفين.

ومن الطبيعي أن يسقط الانفتاح المتبادل بين إيران وحماس، نفسه على علاقة النظام في دمشق مع الحركة التي لا تنفي أن ثمة علاقة "رسمية" مع النظام، لكن ثمة وسطاء مع القيادة السورية التي باتت تشير بإيجابية إلى دور حماس، مثلما تشيد بالمعركة التي تخوضها الحركة في وجه إسرائيل.

لكن ثمة سؤالاً يبدو أن على الحركة، التي يبحث مختلف الاطراف على التحالف معها، الاجابة عنه:

ماذا سيكون موقف حماس في ظل ما يحضر من مؤتمر دولي اقليمي بشأن القضية الفلسطينية، من مخطط قد يضع اللبنة الأولى للتطبيع بين العرب وإسرائيل، بمعزل عن مفاوضات فلسطينية إسرائيلية قد تبصر النور بموازاة ذلك، وربما قد تمهد لضربة أميركية لإيران؟ 

 

عمار نعمة