الفكرة الأساسية من الدعوة الى لقاء بعبدا هي تتويج الأجواء الوردية التي أعقبت ولادة قانون الانتخاب، بمسارٍ إستكمالي يريد منه الرئيس ميشال عون الايحاء أنّ عهده انطلق فعلاً، وأنّ ما تبقّى بعد إقرار هذا القانون سيشهد إنجازَ كلّ ما علق من مشكلات، وكلّ ما كان في خانة العقد وما يمكن أن يتحوّل طريقاً مفتوحاً ومعبَّداً بالحلول.
 

لم يُضمَّن عون دعوته القوى المشارِكة في السلطة، أيّ توضيحات باستثناء جدول أعمال يركّز على استكمال تنفيذ ما تبقّى من «اتفاق الطائف»، وسيعلن بنفسه خلال الجلسة، عن طبيعتها، وعن كونها لقاءً يتيماً أو واحداً من سلسلة لقاءات تحدَّد تفاصيلها فيما بعد.

تشير المعلومات الى أنّ الجلسة، ستكون الأولى والأخيرة على الأقل في الوقت الحالي، فالمطلوب منها أن تكون جلسة تتويج إنجاز قانون الانتخاب، والإيحاء بأنّ الحكم القوي ماضٍ في تحدي المستحيل، وأنّ قانون الانتخاب ما هو إلّا الخطوة الأولى على الطريق التي سيليها تطبيق «اتفاق الطائف»، والغوص في ما لم يتمّ تناوله حتى الآن، سواءٌ بالنسبة الى مجلس الشيوخ أو اللامركزية الادارية الموسّعة، وإلغاء الطائفية السياسية.

وتأتي هذه الدعوة في ظل التسابق على أبوّة إنجاز القانون، لا بل التسابق على تعميم اجواء التفاؤل والانتصارات. وتقول مصادر قريبة من الثنائي «القواتي»ـ «العوني»، في هذا الاطار إنّ ما حصل منذ انتخاب عون رئيساً والى اليوم، أدّى الغرض منه مسيحياً وعلى اكمل وجه. فالقاموس المسيحي واللبناني سيفتقد من الآن وصاعداً عبارة «الإحباط المسيحي»، لأنّ الإحباط أصبح من الماضي، بعد إقفال جرح نازف منذ التسعينات، فبعد اليوم لم يعد مبرَّراً للمسيحيين أن «ينقّوا عالطالع وعالنازل» لأنّ إنصافهم حصل في قانون الانتخاب، وعليهم أن ينتهزوا الفرصة لكي يشاركوا في الحياة الوطنية بكثافة، وأن يتجاوزوا المرحلة النفسية الصعبة التي واجهتهم، وهم الآن فعلاً باتوا قادرين على مقاربة ما لم يتمّ تطبيقه من «اتفاق الطائف»، خصوصاً أنّ شركاءهم المسلمين تعاونوا جدياً لإزالة هذا الإحباط، من خلال الموافقة على قانون انتخاب أقرب الى عدالة التمثيل، وأفضل ما يمكن التوصّل إليه في ظلّ موازين القوى الحالية.

في مقابل هذا التفاؤل الذي يجد لنفسه مبرراً في اعتماد الصيغة النسبية العادلة، لا يبتعد لقاء بعبدا من أن يكون تتويجاً لاتفاق النادي السياسي المغلق الذي تتكوّن منه القوى المشارِكة في السلطة، والذي يتحرّك وفق قاعدة التفاهم العميق مع «حزب الله» على الأساسيات، والانصراف الى تأمين شروط الاستمرار في السلطة من خلال تفخيخ النسبية وتالياً نتائج الانتخابات.

واذا ما استُثني تيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية» من المشاركين في لقاء بعبدا بتمايزهما في موضوع سلاح «حزب الله»، فإنّ مشهد الخميس سيصبّ حتماً في خانة المسار الذي رسمه «حزب الله»، الذي حظي بقانون انتخاب بعدما أمّن انتخاب رئيس جمهورية حليف، وحكومة لا يمكن تصنيفها في خانة الحياد، لأنّ بعض اطرافها يطبّق الحياد فعلاً فيما يغطي حياده، انغماس الحزب في الأزمات الإقليمية، وسط اختلال فاضح لميزان القوى الداخلي، تخرقه من حين لآخر مواقف تذكيرية لا ترتقي الى مستوى صوغ توازن في وجه المشروع العابر للحدود، الذي بات يحظى بغطاء مؤسساتي ودستوري كامل، سيجعل من أيّ مواجهة معه، اشتباكاً مع الدولة اللبنانية، بكل ما تحمله هذه المواجهة من نتائج اقتصادية وسياسية، سبق للبنان أن عاشها في محطات سابقة.