يبدو استفزازياً الأسلوب الذي به تمَّ إنتاج قانون الانتخاب. وباستثناء الصوت الاعتراضي الذي صدر عن النائب سامي الجميّل، أثبتَت الطبقة السياسية صوابية المخاوف، فـ«طبَخت» «قانون التواطؤ» لا «قانون التوافق».
 

السيناريو يسير وفق المتوقع:

1 - بعد «شيطنة» القانون السائد، قانون 1960، وعدم الاتفاق على قانون جديد، تمّت مخالفة الدستور بعدم إجراء الانتخابات على أساسه، لكونه القانون الساري المفعول، من دون أن يعترض أحد على ذلك.

2 - جرى اللعب على حافّة الهاوية حتى اللحظة الأخيرة قبَيل انتهاء ولاية المجلس الحالي. ثمّ، تحت ضغط عامل الوقت، تمَّ إنتاج خطوط عريضة لقانون النسبية و15 دائرة، بما يبرِّر حفظ ماءِ الوجه وتسمية التمديد «تقنياً».

3 - تمَّ جعلُ التمديد طويلَ الأمد، أي لمدّة سنة. وخلال هذه الفترة سيدور حوار شامل حول كلّ بنود «اتّفاق الطائف» العالقة: مجلس الشيوخ، اللامركزية الإدارية الموسّعة، إلغاء الطائفية السياسية وسواها. وهذا سيَستدرج نقاشاً حول شؤون المغتربين والجنسية واقتراعهم وسوى ذلك من نقاط هي في صلب قانون الانتخاب.

في اختصار، النقاط التي ستُثار في الحوار الذي يستعدّ القصرُ الجمهوري لاستضافته ورعايته بعد الانتهاء من ورشة التمديد، ستؤدّي عملياً إلى الدخول مجدّداً في صلب القانون الوليد، أي قانون النسبية في 15 دائرة.

إنّ التوازنات التي على أساسها تمّ التوافق على نقاط القانون الجديد، الغامضة أحياناً والمعقّدة أساساً، هي توازنات دقيقة. وأيّ مطلب من هنا أو هناك لتنفيذ بنود «الطائف» أو تصحيحها، سيستثير قوى أخرى لتطرَح مطالب مقابلة.

في معنى آخر، إنّ قانون الانتخاب الحالي سيكون عرضةً للتساؤلات والتشكيك والمراجعة من جانب بعض القوى، إذا حصَل الخصوم على مكاسبَ في أماكن أخرى.

مثلاً: سينتقل النائب وليد جنبلاط من موقع المنتقد لقانون الانتخاب، والموافق عليه على مضض، إلى موقع المعترض والرافض إذا لم يُعطَ الدروز رئاسة مجلس الشيوخ.

سيَرفض المسيحيون طلبَ جنبلاط ويصِرّون على أرثوذكسي في هذا الموقع. وإذا لم يتوصّل الطرفان إلى تسوية، كالمداورة مثلاً، فقد يؤدّي ذلك إلى تفجير قانون الانتخاب الجديد، قبل أن يُجرَّب ولو لمرّة واحدة.

مثلاً أيضاً: إذا دار النقاش ساخناً حول إلغاء الطائفية السياسية، سيطالب المسيحيّون بضمانات إضافية، وكذلك الدروز. وسيؤثّر ذلك على سائر الملفّات، ومنها قانون الانتخاب المنجَز.

قد لا يستطيع البعض أن يتصوّر إعادةَ البحث في قانون الانتخاب الجديد، في الأشهر المقبلة، بعدما استغرَق إعداده سنوات. ولكن، للتذكير، هناك نقاط ما تزال ناقصة في القانون الجديد.

فالوزير جبران باسيل أبلغ إلى مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة أنّ موضوع العتَبة للمرشّح يشكّل نقطةً أساسية ما زالت ناقصةً في قانون الانتخاب. وهو وعَد بأنّه سيستمرّ في المعركة بعد إقرار القانون لاستكمال تصحيح التمثيل.

وبشَّر باسيل بأنّ العيوب في القانون، «من الضروري تصحيحُها، حتى لو عدنا إلى تعديل القانون قبل إجراء الانتخابات النيابية في أيار 2018، وهذه العيوب هي طريقة الفرز واللائحة غير المكتملة». وهو يبدو مستعجلاً اقتراع المغتربين، متسائلاً: «لماذا نَخسر 4 أعوام لإشراكهم»؟

إذاً، لا شيء يَمنع إعادة البحث في القانون الجديد «المسلوق» أساساً، والذي لا يبدو أحدٌ مقتنعاً به جدّياً، إلّا لكونه أداةً لتبرير التمديد من جهة، ولإتاحة الفرصة لطبقة النافذين لكي تحقّق المصالح الفئوية، السياسية وغير السياسية.

فوق ذلك، تَوافقَ هؤلاء على اعتماد البطاقة الممغنطة. وهذه وحدها تَستلزم ورشةً متكاملة، فيها هدرٌ للوقت والمال، ومن خلال ذلك، طبعاً، قد تظهر صفقة جديدة تضاف إلى صفقات المسلتزمات الأخرى الخاصة بإجراء الانتخابات.

للتذكير: إنّ إصدار بطاقات الهوية الجديدة استلزَم سنوات من العمل، وتأخّر كثيراً، وحتى اليوم ما زالت تَصدر بأخطاء كثيرة يَجري تصحيحها. فإذا كان مصير البطاقات الممغنَطة سيكون شبيهاً بمصير بطاقات الهوية، في إدارة مهترئة، فالأرجح أنّ «الانتخابات الممغنطة» ستنتظر حتى الجيل المقبل!

هل كان ضرورياً، في هذه «الحشْرة» اعتماد الممغنَط؟ وهذا الطاقم السياسي الذي يُمرّر الصفقات بصمتٍ وفي الظلام، من أين جاءته حميّة «الإصلاح الممغنَط»، الآن الآن وليس غداً!؟

ما جرى، بقانون الانتخاب وبطاقته الممغنطة، هو تبرير التمديد لا أكثر. ولا شيء يضمن عدمَ إعادةِ فتحِ ملفّ القانون مجدّداً في الفترة الممدّدة. وفي هذه الحال، مَن يضمن أن تتمّ الانتخابات الموعودة في أيار 2018 وعدم التأجيل مجدّداً؟

قد يبدو هذا الكلام للبعض سلبياً أو متشائماً، خصوصاً أنّ القانون الجديد أصبح هو النافذ والساري المفعول. ولكن، للتذكير أيضاً، ألم يتمّ تجاوُز قانون 1960 ومخالفة الدستور بعدم إجراء الانتخابات على أساسه، على رغم كونه القانونَ الساري المفعول؟

فما المانع أن يكون مصير «القانون المسلوق» الجديد كمصير سَلفِه، إذا طرأت اعتراضات جدّية من قوى فاعلة، بعد طرحِ كثيرٍ من الملفات المتداخلة على الطاولة؟

في المحصّلة، إنّ موعد الانتخابات في أيار 2018 يبقى موعداً افتراضياً لا واقعياً. والأمر سيَخضع لِما ستكون عليه موازين القوى الداخلية والإقليمية في ذلك الموعد، كذلك سيخضع لحفلة المقاصّة المفتوحة بين القوى الجالسة إلى الطاولة حول الملفات والصفقات المختلفة: النفط والغاز، بواخر الكهرباء، الاتصالات، النفايات العائدة بروائحها الكريهة وسوى ذلك. وللمرّة الأولى، تَمكّنَ المتواطئون - بإجماع نادر- من إسكات جميع الناس وكلّ شيء... بحيث لا صوت يعلو فوق صوت الصفقة!