حتى إذا تحول الاشتباه الاميركي بان موسكو أو حتى طهران تقف وراء الهجوم الالكتروني على قطر، الى إتهام صريح مسند بأدلة دامغة، فإن الازمة الخليجية لن تهدأ، والتوتر السعودي -الاماراتي تجاه الدوحة لن يخف..وربما لن يصرف الانظار عن السبب الحقيقي للحملة الضارية على القيادة القطرية وعلى شعبها، وسيظل الاعتقاد سائداً بأن واشنطن إنما تسعى الى صلح بين حلفائها الخليجيين عبر توجيه غضبهم الى عدو خارجي يتربص بهم ويضمر الشر لهم ويتضرر من أي وئام بينهم.

الازمة لم تبدأ بإختراق وكالة الانباء القطرية ودس خطاب مزيف لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وهي لم تتفاقم فقط نتيجة الإستخدام المشين لذلك الخطاب المدسوس، من قبل الاعلام السعودي والاماراتي..وهو بالمناسبة ما يستبعد الى حد ما تورطاً روسياً او حتى إيرانياً في القرصنة، وما يمكن ان يعطل محاولة الاميركيين لإحتواء تلك الازمة وتفكيك عناصرها ، قبل ان تمس وجودهم وحروبهم في منطقة مشتعلة أصلاً.

بات ثابتاً أن القرصنة كانت الرصاصة الاولى التي أطلقت في تلك الحرب السعودية الاماراتية الشاملة  على قطر، والتي تخطت حتى الآن جميع المعايير والقيم السياسية، وصارت تستدعي السؤال عما يجري حقيقة في الرياض وأبو ظبي من إنتهاك غير مألوف للتقاليد الخليجية. فالحرب التي تتخذ الان شكل حصار مشدد على قطر، لم يعد يستهدف سلوكاً سياسياً متمرداً  على الوصاية السعودية . ثمة تخطيط ، وتصميم على إلحاق الأذى المباشر بشعب خليجي صغير ، وبمقيمين عرب وأجانب، يتجاوز مجموعهم المليوني نسمة. الحرب تعيد الى الاذهان تلك التي شنتها السعودية والامارات على اليمن، والتي إتسمت بالتسرع وسوء التخطيط والتدبير مما جعلها تتحول الى مأزق، تجري محاولة الخروج منه بالعودة الى خيار التقسيم القديم للشطرين اليمنيين. ولعل ذلك المأزق ، الذي سعت قطر الى التخلص منه منذ أشهر ، هو أحد العناصر الرئيسية للازمة الخليجية الحالية، فضلا عن عناصر أخرى مصرية وسورية وربما ليبية أيضا، ساهمت في توسيع الهوة بين الاشقاء الخليجيين في السنوات القليلة الماضية.

ما نشرته صحيفة "فايننشيال تايمز"البريطانية قبل يومين عن صفقة إسترداد المخطوفين القطريين من العراق، وبالتوازي مع التوصل الى فك الحصار عن البلدات السورية الاربع، وإطلاق إسراها من طرفي الصراع السوري، تضمن الكثير من المبالغات في أرقام الفدية التي دفعت ، وفي الجهات التي تلقت تلك الاموال، والتي لا تقتصر على الجهة العراقية الخاطفة، بل شملت أيضا مسؤولين من إيران، ومسؤولين من لبنان (حزب الله) كانوا طرفاً في عملية الخطف وفي التفاوض على إطلاق المخطوفين ، وبينهم مخطوفان سعوديان لم تأت الصحيفة على ذكرهم.. ولم توجه الرياض الشكر لأحد على إستعادتهما.

كانت الصفقة ذروة عملية إبتزاز إيراني مباشر لقطر دام نحو عامين، هي فترة إحتجاز الرهائن القطريين والسعوديين،  تبرهن على ان المسافة بين قطر وطهران ، قد إتسعت، ولم تتقلص على ما يشاع في الرياض وأبو ظبي. والدلائل السورية والعراقية على تلك المسافة ظاهرة للعيان، حيث كان البلدان ولا يزالان يقفان على خطوط جبهات معارك متقابلة، لم تهدأ يوماً. وهو ما تثبته أيضا عملية تبادل أسرى جرت في الوقت نفسه بين حركة "أحرار الشام" القريبة من الدوحة، وبين هيئة "تحرير الشام"، (النصرة) التي تناصب قطر العداء الصريح.. وكانت واحدة من عمليات عديدة مشابهة لطالما شهدتها خطوط التماس السورية ، وشارك فيها الجميع من دون إستثناء.

الازمة أكبر وأخطر من كل ما شهدته منطقة الخليج، قبل تأسيس مجلس التعاون في العام 1981 وبعده. ما زال يصعب الحديث عن دور خارجي في تفجيرها على هذا النحو المريع. لعل غياب هذا الدور ، هو بالذات ما أفسح المجال للمسؤولين السعوديين والاماراتيين في دفعها للوصول الى هذا الحد الخطر.