تابعنا كشعوب عربية خلال الأيام الماضية أزمة سياسية جديدة طرأت على الساحة العربية، تمثلت في قطع دول عربية لعلاقاتها مع دولة قطر، والعنوان الأبرز لهذه الأزمة كان "التعاون القطري مع إيران"، ضد مصلحة العرب في المنطقة !! ‏استخدمت بعض الصحف والمواقع العربية هذا العنوان الدسم إعلاميا للهجوم على قطر وقيادة قطر وسياسة قطر، بسبب العداء الإيراني الذي تصاعد منذ بداية الربيع العربي، وخاصة الدور التخريبي الذي لعبته إيران عبر فيلق "قدس" الايراني، ومليشيات إيران الطائفية وأذرعها العسكرية في العراق وسوريا واليمن، ووجدت هذه الصحف والقنوات والمواقع أن من الممكن دفع الشعب العربية نحو معاداة قطر وتشويه صورتها عن طريق ربط سياسة الدوحة بطهران. ‏ولذلك اختار مهاجمو قطر في حملتهم عنوان إيران كمدخل أساسي للهجوم عليها حيث تبعا لإدراكهم لحقيقة أن الحملة لن تنجح وتحقق أهدافها إلا عبر ربط قطر بإيران والمشروع الإيراني، ولذلك سنحاول بهدوء، ومن خلال قراءة موضوعية التساؤل: هل فعلا قطر متحالفة مع إيران وتخدم مصالحها في المنطقة؟ ‏نبدأ هنا بتصريح لرجل الدين البارز ورئيس قاعدة عمار الاستراتيجية لمكافحة الحرب الناعمة الموجّهة ضد إيران، وهو يعبر بصورة واضحة عن أهمية سوريا؛ ليس فقط للمشروع الإيراني في المنطقة فحسب، بل للوجود الإيراني برمته. ‏يقول مهدي طائب: "لو خسرنا سوريا، فلن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم الأحواز، فسنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا". وهذا الموقف يمثل عقيدة دوائر صنع القرار وصناعة الفكر في إيران كالحرس الثوري ومؤسساته الفكرية والأمنية والسياسية ومراكز الدراسات التابعة للخارجية الإيرانية والدوائر البحثية في وزارة الاستخبارات، ولهذا فاجأ التدخل الإيراني في سوريا بهذا الشكل الواسع حتى الشارع الإيراني، الذي لم يتصور أن الجيش والحرس سيذهبان إلى سوريا، ليس لدعم الإسد بل للحفاظ على نظام آيات الله في طهران. ومن هنا ينبغي أن ننطلق من قراءتنا للموقف العربي، وننظر إلى من هو مع إيران ومع المشروع الإيراني التخريبي في المنطقة، ومن يقف ضده. وهنا نعود مرة إخرى إلى موضوعنا الرئيس حول الاتهامات التي وجهت وما زالت توجه لقطر والحملة الاعلامية التي تتعرض لها قطر وقيادتها بسبب ما يقال ويطرح عن علاقتها بإيران، وهل يستند ذلك إلى وقائع وحقائق بالفعل؟ ‏في بداية الثورات العربية الكبرى أو ما عرفت بثورات الربيع العربي، سارعت إيران والقيادة الإيرانية إلى تأييدها، ولكن عندما وصلت شرارة الثورات إلى دمشق التي تمثل العمود الفقري للمشروع الإيراني بالمنطقة، وصمت طهران هذه الثورة بأنها ثورة وهابية وأموية مدعومة من الدول المعادية لإيران أو ما يسمى بالمحور الإيراني، وتحركت طهران بقضها وقضيضها لإجهاض الثورة السورية منذ بداية انطلاقتها، إلا أن قطر كانت الدولة العربية الوحيدة التي وقفت في وجه إيران ومع الثورة السورية. والصحيح أن قطر كانت تمثل في لحظة تاريخية حاسمة الصوت العربي والإسلامي الداعي لمواجهة إيران، واستضافت قطر المعارضة السورية وقدمت لها الدعم المطلوب عربيا لمواجهة الغزو الإيراني لسوريا على كافة المستويات، حتى لا تتحول سوريا العربية إلى أحواز أخرى، وحتى لا تكون اللغة الفارسية هي لغة الشام بدلا من اللغة العربية، وحتى لا يتحول جامع الأمويين إلى حسينية فارسية تمارس فيها طقوس الصفويين الجدد في دمشق قلب العروبة النابض. ‏قطر؛ ومن خلال موقفها الداعم لثورة الشعب السوري العادلة كانت تناطح الثور الإيراني الهائج في المنطقة، وكانت تستهدف صميم المشروع الإيراني التوسعي في دمشق، وكان الإيرانيون يدركون ذلك تماما، وهوجمت قطر من أعلى المستويات في النظام، واعتبرت سياستها في سوريا تهديدا للمحور الإيراني الذي يمتد من إيران إلى بغداد فدمشق وصولا إلى لبنان، وأن استمرار هذه السياسة سوف ينعكس على الداخل الإيراني، أي أن دعم قطر للثورة السورية هو بمثابة استهداف للنظام الإيراني من الداخل. ‏المصيبة أنه في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة العربية، وعندما كانت الدوحة تواجه مشروع قاسم سليماني، كان بعض العرب يتغزل بإيران ونظامها الذي ولغ بدماء العرب في كل من سوريا واليمن والعراق والأحواز ولبنان، فكيف تتهم قطر بأنها مع إيران، وهي الدولة العربية الوحيدة بعد نظام صدام حسين التي استهدفت قلب المشروع الإيراني ورئته التي يتنفس منها في دمشق العرب. ‏ما زال الإيرانيون يصفون قطر بالعدو الوهابي وصحفهم ومواقعهم ومراكز دراساتهم تشهد بذلك، وحتى هذه الأزمة التي حدثت بين الأشقاء في الخليج، وصفتها صحيفة "همشهري" الإيرانية بأنها صراع الوهابية، أي أن الايرانيين لا يفرقون بين قطر وبين والسعودية عندما ينظرون إلى المنطقة والدول العربية. وفي آخر تعليق له، صرح المدير الأسبق لقسم شؤون الشرق الأوسط في موقع "انتخاب" الإيراني قائلا إن من مصلحة إيران استمرار الأزمة الخليجية، لأن قطر مارست بحقنا ضغوطا شديدة. وهذا التصريح يعكس الموقف الإيراني من قطر والأزمة التي لا تخدم سواء أعداء العرب الذين يتربصون بالخليج، ويريدون إضعاف الكيان الخليجي الموحد، والمحاصر فارسيا شمالا وجنوبا من قبل مليشيات قاسم سليماني المسلحة.

 

 

محمد مجيد الأحوازي