كتب محمد عثمان في موقع "إضاءات" الإلكتروني ما يلي: بعد التّصريحات الإيجابية على موقع وكالة الأنباء القطرية، والمنسوبة لأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني عن حماس والإخوان المسلمين وإيران، وبعد أن إنتقد إتهام بلاده بدعم الإرهاب، سرعان ما إختفت تلك التّصريحات، وتوقف الموقع عن العمل في خلال دقائق، وظهرت حسابات سعودية وإماراتية على تويتر تتداول خبرًا مفاده حجب قناة الجزيرة وموقعها في الإمارات.  ما هي إلا دقائق حتى بدأت موجة كثيفة من الإنتقادات للتصريحات من حسابات النشطاء الإماراتيين، وسرعان ما انتقلت إلى الفضائيات وفي وجود ضيوف جاهزين للرد عليها ومهاجمتها. وما كان من قطر إلا أن نفت صحة التصريحات، وقالت إن موقعها تعرض للإختراق، لكن الحملة ازدادت شدة في الانتقاد ولم تأتِ على ذكر النفي ولو في سياق الخبر.

أولاً: أيهما أقوى دعوى الإختراق أم صحة التصريحات أصدرت عدة مواقع  مجموعة من التقارير تُثبت صحة دعوى الإختراق، وأن حملة الإنتقاد اللاذعة منظمة ومعدة مسبقًا، ولكن ثمة أحداث مثيرة للإستغراب لابد التوقف عندها وهي:

1-التوقيت؛ التصريح نُشر في الموقع في تمام الساعة 12:15 صباحًا، وبعد دقيقتين فقط نُشرت أول تغريدة في الحملة، وهذا ما يستدعي الإستغراب، فهل هذه المدة بعد منتصف الليل كافية للتحقق والتحليل وإصدار قرار الحجب وتنفيذه؟ 2- إذا افترضنا صحة التّصريح، فلماذا تقوم الجهة المضادة بفبركة شريط أخبار يحتوي على التصريح ونسبته للتلفزيون القطري الرسمي؟ 3- أعلنت سكاي نيوز عربية قبل يوم من الواقعة عن بث فيلم وثائقي موجه ضد قطر بعنوان "الذئاب  المنفردة" يعرض للمرة الأولى بعد ساعات من الواقعة.  والفيلم يربط بصورة غير منطقية بين الدكتور يوسف القرضاوي وعمليات داعش الإرهابية، ويخلط بين أفكار الجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين وداعش، في إشارة لمسؤولية من تستضيفهم قطر عن العمليات الإرهابية في الغرب. 4- إصرار الإعلام الإماراتي والسعودي على تكرار إذاعة الخبر متجاهلين تمامًا النفي ولو كإضافة خبرية، لدرجة أن المكتفي بمشاهدة سكاي نيوز، قد لا يعلم أن نفيًا قد حصل ولو كان إدعاءً كاذبًا. 5- بعد تتبع التّغريدات والتّقصي، تبين أن خبر حظر موقع وقناة الجزيرة في الإمارات في أول تغريدة، سبق خبر وكالة الأنباء القطرية بأكثر من ساعة. 6- التّصريحات التي أدلى بها الأمير تميم إن صحت، ليس بها ما يخالف قناعة قطر وسلوكها، وبالرجوع لأي خطاب له في أي محفل دولي كالأمم المتحدة، يلاحظ أنه يتكلم بهذا الإتزان بين إيران والأميركيين، فلماذا تذكرت الإمارات والسعودية ذلك فجأة؟

ثانياً: كيف مالت الكفة لمحمد بن زايد؟ تسير السياسة الخارجية للإمارات على الدوام في الإتجاه المقابل لقطر، أما السعودية فشهدت سياساتها تجاه قطر تقلبات حادة بتقلب صناع القرار في رأس السلطة، وعلى الهامش تأتي دولة البحرين التي تتشبث عادة بذيل القرار السعودي. ويمكن تلخيص كافة التحولات كالتالي: أ-دعم قطر لثورات الربيع العربي وحدة الخطاب الإعلامي ظهرت الخلافات للعلن لأول مرة بعد دعم قطر لثورات الربيع العربي وظلت في معظمها في النطاق الإعلامي، وازدادت حدته بانتكاسة الربيع والدعم السياسي والعسكري المباشر للسعودية والإمارات للثورات المضادة، وبلغ ذروته في آذار 2014 حين سحبت الإمارات والسعودية والبحرين سفرائهم من قطر، ليستمر التصعيد الإعلامي والحصار الاقتصادي ضد قطر التي اضطرت لتقديم تنازلات حادة في الخطاب الإعلامي، لكنها لم تكن كافية للأطراف الأخرى.

ب- تغير الطاقم السياسة الخارجية   بعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز في 23 يناير/كانون الثاني 2015، ومجيء الملك سلمان بن عبد العزيز، غيّر الأخير الطاقم الإداري بالكامل، ومعه تغيرت السياسة الخارجية لاسيما في اليمن، و تمثل ذلك في محاربة الحوثيين بعد أن حالفهم الملك الراحل، وكذلك تركيا حيث تحول الموقف من عداء إلى تحالف استراتيجي، وتغير طفيف في ليبيا بحياد شبه سلبي، وفي مصر أيضًا بتقليص الدعم الاقتصادي المطلق وغير المشروط  للنظام القائم.

ج- تغير المصالح افترقت مصالح الإمارات والسعودية، وتقاطعت بعض مصالح الأخيرة مع قطر، التي رأت حبل نجاة في الملك سلمان وولي عهده محمد بن نايف الذي يفضل الأمير تميم على أبناء زايد. تمسّكت قطر بحبل سلمان لدرجة أنها تخلّت بصورة شبه تامة عن صدارة المشهد السياسي العربي لصالح التنسيق والدعم السياسي للسعودية كواجهة وبالأخص في الملف اليمني، وتحملت خلافاتها معها في الملف المصري، واستمرت الأمور على هذا الحال سنتين.

د- الإدارة الأميركية الجديدة نقطة تحول جديدة تمثلت بمجيء دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة؛ الفرصة التي كانت حبل نجاة هي الأخرى، لكن هذه المرة للإمارات وليس قطر.  وخطط  محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي ورجل الإمارات الأقوى وانتهز الفرصة لتحقيق أكبر تحول تاريخي في موازين القوى في الشرق الأوسط. وسار ابن زايد في مسارين: الأول: تقديم الخدمات لترمب وإقناعه أنه الرجل الأحق بالثقة والاتباع في سياسات الشرق الأوسط. الثاني: إقناع محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي بأنه أحق بثقته وأنه يستطيع أن يدعمه ليصبح رجل المملكة الأقوى، وأن يستعيد ثقة الأميركيين به. ونجح ابن زايد في كسب ثقة ترمب ليصبح مرجعه الأول عربيًا، ونجح أيضًا في كسب ثقة محمد بن سلمان وتقوية مركزه  في السعودية وفي أعين ترمب، وحان أوان تقليم ما تبقى من أظافر قطر.