استقلت الدولة الأموية بالأندلس تحت قيادة عبد الرحمن الداخل بعد استيلاء العباسييّن على خلافة الأمة الإسلامية في المشرق، وعلى أيديه وأيدي أحفاده، ازدهرت الأندلس حتى وصلت أوج قوتها أيّام الخلافة الأموية لعبد الرحمن الناصر، وابنه الحكم المستنصر، وأغنت منتجاتها الثقافية الحضارة الإسلامية والعالم أجمع.
 

ولكن هل يغفر ذلك ما دار في تاريخها من قتل وتذبيح؟

وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ

كان ثالث أمرائها حفيده الحَكَم بن هشام الذي استلم زمام الحُكم بعد وفاة أبيه في أواخر القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي) في مدينة قرطبة وهو ابن ستٍ وعشرين.

خلال حكمه ثار عليه كثير من سادة الأندلس والعُدْوة، أي شمال إفريقيا، وقُتل في مواجهاتهم بَشَر كثر، إذ لم يكن حُكْم الأمويين المركزي في الجزيرة الإيبيرية متوطداً بعد ولا سيادتهم متمكنة من جمع التشتت القبلي الذي كان سائداً منذ دخول المسلمين بجيوشهم من عرب وأمازيغ. و

في عهده كان أيضاً سيلاً عظيماً في العاصمة ذهب بربَض القنطرة كاملاً فلم يبق فيه حجراً على حجر.

يروي ابن عذاري أن الحكم في قمعه للثورات الداخلية ضده قام بصلْب 72 رجلاً في قرطبة عام 189هـ لأنهم طالبوا برئيس غيره يقوم بأمرهم، ثم قام بعدها بإتقان سور المدينة وحفر خندقها ليخرج على فوره غازياً بلاد المسيحيين.

ولعله أراد بغزوه هذا توثيق موقفه بين الناس بعد قتل عدد غير قليل من رؤوس القوم لإثبات عرشه والحفاظ على تماسك الدولة، فهو تصرُّف سائد في التاريخ.

ولكن الأمن ليس أمراً هيناً وترددت بعدها الغزوات من كلا الجهتين والثورات، التي كان من أبرزها تمكنه من ماردة (Mérida) الثائرة عليه تحت قيادة أمازيغية بعد اشتغاله بها وتوجيه "الصوائف" إليها، أي الغزوات خلال الصيف، مدة سبعة أعوام.

بالإضافة إلى كل هذه الحروب الداخلية والخارجية والكوارث الطبيعية كانت في سنة 199 مجاعة في الأندلس هلك فيها كثير من أهلها. إذاً فإننا أمام سياق تاريخي واجتماعي يمثل معاناة شعب في ظروف قاسية.

 

قتل من قتل وصلب من صلب

في شهر رمضان من عام 202هـ هاج الشعب على الحَكَم في مقر سلطانه بعد تحريض الفقهاء لهم في المساجد. يُقال أن أباه هشام، خِلاف جدّه عبد الرحمن، قرّبهم من الدولة وزاد من نفوذهم وتدخلهم في شؤونها فذاع المذهب المالكي في الأندلس أيام حكمه، وأراد الحَكَم إعادة الأمور إلى ما كانت عليه مقرِّباً إليه الشعراء والندماء دونهم، فنقِموا عليه وأرادوا المدافعة عن مكانتهم واتهموه بالخروج على الدين بلَهوه ومجونه.

يُقال أيضاً أن كثيراً من الثائرين عليه كانوا من المولَّدين لشعورهم بقلة مكانتهم الاجتماعية تحت حكم عربي، كما كانت الحال في المشرق التي أدَّت إلى سقوط الخلافة الأموية في دمشق، وبقول الحَكَم نفسه كانوا "فسقة أهل قرطبة وسفلتهم".

ويُقال أنّ رؤساء الثورة كانوا من أعيان العرب الفقهاء اجتمعوا بغيرهم من أهل المدينة من جميع الطبقات لخلْع أمير كان قد أَضاق عليهم بالضرائب وأحاط نفسه بجند لا ينتمون إلى الشعب الذي يحكمه.

ووصلت الحال إلى درجة التعرض للأمير في الطُرُق والسوق وشتمه علانيةً والتعدي على حرسه، وحتى الغمز لبناته وفق ما يرد في المقتبس لابن حيان، والتجرّؤ على عرضه. فأجاب الحَكَم بالقوة الباطشة إلى أن اضطرمت نار الفتنة فجأة إثر حادثة طاف بها الكيل.

يُقال أن مملوكاً من مماليك الحَكم قتل صاقِل سيفه لتباطئه في عمله. وهاج الناس على السلطة، خاصة في ضاحية قرطبة الجنوبية، وهي عبارة عن "ربَض" على ضفة نهر الوادي الكبير المقابلة للمسجد الذي مازال قائماً في عصرنا. 

بطش ونهب، ثم استقرار وازدهار

قامت حرب أهلية بين الجند وعامّة قرطبة، فدخل الثوار إلى فناء القصر ولم يبقَ لفرسان الأمير إلّا الاحتيال عليهم، فاقتحموا الشمل وخرجوا من القصر عابرين النهر تجاه الربَض وأضْرموه ناراً وانتشر الخبر إلى أن وصل الثوّار فهَرعوا إلى بيوتهم لإطفائها وإنقاذ أهلِهم. وعندما تشتت الشّمْل أحاط بهم الجند فلم يجدوا للخروج سبيلاً وأمْعنوا فيهم قتلاً.
استمر القتل والنهب والأسر ثلاثة أيام، فرّ خلالها من استطاع إلى المدن المجاورة، ومن بينهم كثير من الخاصة الذين ساهموا في إثارة القوم على الحاكم. وانتهى الأمر بصلب ثلاثمئة شخص أمام القصر وهدم ديار الثوّار في الربَض وخارجه فمسح أثرهم من وجه الأرض ونزح من المدينة آلاف الناس غدوا بلا مأوى ولا أمان داخل الأندلس ولا في الجزيرة بأكملها فهاجر كثيرٌ منهم إلى مصر.
ويقول الحَكَم في خطاب أمر به بعد قمعه للثورة ما يلي: "قُتلوا تقتيلاً وعموا تدميراً وعروا تشويهاً وتمثيلاً، جزاءاً عاجلاً على الذي نَكَثوه من بيعتنا، ودَفَعوه من طاعتنا، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد تنكيلاً. فلما قتلهم الله بجرمهم فيها، وأحسن العون عليهم لنا، أمسكت عن نهب الأموال وسبي الذرية والعيال وعن قتل من لا ذنب له من أهل البراءة والاعتزال".
وينهي القول ببعض شعره مما يدل على عنفه الجارم في هذه المأساة وعلى تهديده بمثله إن تجرأ غيرهم عليه، ومنه هذين البيتين:
رأيت صدوع الأرض بالسيف واقعاً وقدما لأمْت الشعب مذ كنت يافعاً
فسائل ثُغوري هل بها اليوم ثغرة أبادرها مسْتنضى السيف دارِعا
وخَمد الناس بعدها إلى درجة أن قيل فيهم:
إن التواكل وهْنة ومذلة والجد فيه الصنع والمتمهَّل
صرتم أحاديث العباد وكنتم عوناً لهم في كل همٍّ ينزل
توفي الحكم بعد الحادثة بأربعِ سنوات، ورغم ما سبق سرده فإن عصره تميز بازدهار الآداب والعلوم إذ برزت خلاله شخصيات كالفيلسوف والرياضي المخْترع عباس بن فِرْناس، الذي يقال عنه دافينشي (Da Vinci) الأندلس.
إن هذه الحادثة من تاريخنا تمثل كغيرها تعدد الروايات والمواقف التي يمكن لنا من خلالها استنتاج دروس تفيدنا في حاضرنا. فهل ضرورة توحيد الشعب لمواجهة الأعداء وتوطيد الأمن لازدهار الحضارة تبرر موقف الحاكم وأفعاله تجاههم أياً كانت؟ وهل لمن يُحكم عليه شعور بمسؤوليته الشخصية تجاه مجتمعه ووطنه عندما يعيش حياته اليومية؟ أم أننا نطلب من حُكّامنا ما لسنا قادرين عليه بأنفسنا؟
المصادر: البَيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ابن عِذاري الَمرّاكُشي؛ دولة الإسلام في الأندلس، محمد عبد الله عنان؛ مقالة "ثورة الربض"، ماريبل فييرو.