التاريخ مليء بالحمقى والأوغاد الذين ارتكبوا جرائم وحماقات لا تنسى ولا تغتفر، ويبدو أن الجنون لازمة من لوازم الطغيان، فنحن أمام أشهر الطغاة الذين عرفتهم البشرية، صحيح أنهم من بلاد وحتى فترات زمنية مختلفة، لكن ثمة شيء مشترك بنيهم جميعاً وهو الجنون!
 

 كاليجولا

أشهر طغاة الإمبراطورية الرومانية على الإطلاق، عرف بوحشيته وجنونه الذي لا حد له، بينه وبين نيرون صلة قرابة من ناحية الأم، ويبدو أن الجنون قد انتقل لنيرون بالجينات!

لم يكن لجنون كاليجولا مثيل، فقد عقله تماماً حد أنه ادعى الألوهية، وكان كثيراً ما يشعر بالضيق والحزن الشديدين لعجزه عن دفع الموت عن الناس، أو إحياء موتاهم، أو التحكم في الشمس والقمر، تلك الأمور التي يجب أن يتقنها كونه إله!

لم يتوقف جنون كاليجولا عند هذا الحد، فتاريخه حافل بالجرائم الوحشية التي ارتكبها تجاه شعبه، والتي يرجعها علماء النفس لاضطراب نفسي حتماً. إحدى أشهر جرائمه إغلاق مخازن الحبوب بوجه قومه، بهدف إحداث مجاعة قصداً وعن عمد كي يخلد اسمه في التاريخ، مجاعة راح ضحيتها الآلاف وهو يتلذذ بمنظر الجوعى يتساقطون ميتاً تلو الآخر، ليرضي ذاته المجنونة ويشعر بألوهيته وقدرته على صب غصبه على شعبه، وقدرته أيضاً على رفع البلاء عنهم وقتما شاء!

نيرون

مجنون آخر من الإمبراطورية الرومانية، وصوله للحكم كارثة دفع ثمنها آلاف الرومانيون، في الحقيقة لم يكن نيرون يفكر بالحكم ولم تشغل باله الحياة السياسة قط، بل كان شغله الشاغل الغناء والتمثيل، فقد كان عاشقاً لهما رغم فشله الذريع.

كرست والدة نيرون جهودها من أجل إفساح الطريق لابنها ليتولى مقاليد الحكم، وجاهدت من أجل ذلك بكل ما تملك، إلى حد أنها قتلت الإمبراطور كلوديوس وقامت بتعيين نيرون حاكماً بعده بالرغم من أنه ليس الوريث الشرعي، ويبدو أن سياسة كلوديوس في الحكم لم تعجب نيرون، حيث كان يضرب به المثل في الضعف والبلاهة والسفه، فأراد نيرون تغيير هذه الصورة بنقيضها فكان نعم الطاغية!

طوال فترة حكمه لم يتكبد عناء فهم الآخرين أو الاستماع إليهم ولو لمرة واحدة، كان يناقش الآخر بالسم، إذا كان معه يتركه يعيش، أما إذا كان ضده فيقوم بتسميمه، فالسم كان مخلصه الأوحد من كل ما يؤرقه، ويشهد على ذلك سجله الحافل بالقتل، بداية من قتل قائد الجيش صديقه الذي اختلف معه اختلافاً بسيطاً، مروراً بمعلمه الذي لم يمدحه كما يجب، وليس انتهاءً بوالدته التي رأى في تدخلها في شؤون الحكم تطاولاً غير مقبول، حيث كانت تدس أنفها في كل ما يخص أمور الحكم!

أيضاً من جرائمه الشهيرة على الإطلاق حريق روما، أراد تغيير روما وتجديد ملامحها، فقرر حرقها عن بكرة أبيها، لدرجة أن المدينة ظلت مشتعلة لأيام، بينما جلس هو على أحد الأبراج المرتفعة يتأمل الحريق وهو يغني ويشدو بأشعار هوميروس!

 

ميتريدات السادس

ميتريدات السادس هو أحد ملوك اليونان القدامى، عاش حياته كاملة بهاجس الاغتيال على يد أعدائه بالسم، واستعداداً لهذا المصير كان يتناول كل يوم جرعات صغيرة من السم، حتى يتعود جسمه عليه ويكون مناعة ضده!

وبعد هزيمته على يد الرومان ودخولهم القصر لأسره، قرر الانتحار قبل أن يتمكنوا من أسره بالفعل، فلم يجد وسيلة للانتحار سوى السم، تناول كل مخزون السم الذي لديه، لكن جسمه تعود عليه ولم يعد ذو تأثير بعد اكتسابه مناعة ضده، باءت محاولته للانتحار بالفشل ودخل الجنود الرومان بالفعل وألقوا القبض عليه، واقتيد إلى روما مقيداً بالسلاسل.

فالاد الوالاشي

نحن أمام أكثر الطغاة جنوناً في التاريخ، فالاد الولاشي دراكوليتشي الذي ألهم الكتاب بشخصية دراكولا، اتسمت فترة حكم فالاد بالوحشية والدموية، حيث كان بارعاً في ابتكار أساليب وطرق جديدة لتعذيب معارضيه، أذاق فالاد شعبه الويلات طوال 45 عاماً فترة حكمه، حيث كان يسن قوانين غريبة ويبتكر طرق تعذيب جديدة لمعاقبة المجرمين والمعارضين له، وكان منها سلخ جلود اللصوص ثم تغطيتها بالملح، وأيضاً إحراق المجرمين وهم أحياء، وغيرها من الطرق التي تقشعر لها الأبدان.

أما طريقته الأشهر في التعذيب فكانت “الخوزقة”، التي توصل إليها بخياله المريض، وقام بإعدام الآلاف بهذه الطريقة، سواء كانوا يستحقون العذاب أم لا، يكفي انه يتلذذ برؤيتهم وهم يتعذبون.

ومن شدة جنونه أعلن أنه يريد تخليص الإمارة من الفقر، وتقليل أعداد الفقراء والمحتاجين، فقام بدعوة جميع الفقراء إلى وليمة كبيرة، فهلل الفقراء وجاؤوا من كل صوب فرحاً وأملاً في تخليصهم من الفقر الذي رافقهم لسنوات، وهناك قدم لهم الأمير أفضل الطعام وأحسنه، وبعد أن انتهوا سألهم: “هل تريدون التخلص من فقركم وبؤسكم؟”، فأجابوا: “نعم”، فهز رأسه برضا وأغلق باب القاعة وقام بإحراقها بالكامل ولم يبق فيهم أحداً!

إيفان الرهيب

القيصر الروسي الذي تفننن في التنكيل بمعارضيه وخصومه، اشتهر بقسوته وفظاظته المفرطة، تولى حكم روسيا وهو لم يتجاوز عامه السادس عشر بعد، كان إيفان يعانى من اضطراب نفسي شديد، فكان مسكوناً بالشك طوال الوقت، كما كانت تتملكه نوبات عنيفة من الغضب دون سبب واضح، لدرجة أنه في إحدى المرات غضب بشدة من ابنه فلم بتمالك نفسه، وأمسك بالصولجان الحديدي وهشم به رأس ابنه الذي لقي حتفه على الفور، فجلس بجانبه يبكي وينوح صارخاً :”لقد قتلت ابني.”

ومثله مثل كافة الحكام المجانين، كان لإيفان طريقة خاصة به في تعذيب معارضيه، حيث كان يقوم بتهشيم أرجلهم لجعلهم يزحفون أمامه توسلاً وطلباً للمغفرة، وبالطبع لم يكن يكترث لهذه التوسلات لكنها كانت ترضي ذاته المريضة.

اشتهر إيفان أيضاً بكرهه الشديد للطبقة الأرستقراطية التي ذاقت الويلات خلال فترة حكمه، فقد كان يمارس ضدهم أشد أنواع التعذيب والقمع، لدرجة أنه خصص مجموعة من الجنود مهمتها اغتصاب النساء الأرستقراطيات، فكان يقيم عمليات اغتصاب جماعي أمام أعين أزواجهم وذويهم بهدف تعذيبهم نفسياً، وبعد الانتهاء من هذه الممارسات القذرة كان يقتل العائلة بالكامل، دون سبب واضح ودون ذنب يعاقبون من أجله، فقط لأنه يكرههم بجنون.

 

هتلر

أراد تطهير الأرض من البشر، لإيمانه بأن الشعب الألماني وحده من يستحق العيش، حيث رأى في جنسه شعب الله المختار وعليه فليذهب الآخرون للجحيم، تعدى طغيانه وبطشه وجنونه كل الحدود، فصار يضرب به المثل في انتهاك حقوق الإنسان والوحشية، بسبب المجازر التي قام بها وراح ضحيتها الملايين، فضلاً عن محارق اليهود العرق أدنى منزلة كما يرى!

لقد جن جنون هتلر منذ اللحظة الأولى التي وصل فيها للحكم، حتى أنه قام بحملة تصفية لمعارضيه طالت الصالح والطالح، ولم تبق لمعارض أثراً، إلى ان انقلبت الآية في النهاية، وتبدل المشهد وأصبح هتلر يختبئ بين أربعة جدران، يترقب رصاصة ما تنهي حياته، ولأن في الانتظار ألف موت، اكتفى بموتة واحدة وقتل نفسه!

تشارلز السادس

تم تنصيب تشارلز ملكاً على فرنسا في عامه الحادي عشر، لم يكن تجاوز طور الطفولة بعض، فكان أعمامه هم من يحكمون فعلياً، يحركونه كدمية في أيديهم، إلى أن وصل لعامه العشرين وأدار البلاد بعقلانية وعدل، حتى أنه لقب بتشارلز المحبوب، وفي إحدى الأيام ومن دون سابق إنذار قام تشارلز بقتل أربعة من جنوده بدون سبب، وبعدها بفترة قليلة هاجم شقيقه وكاد أن يقتله، ذيع الخبر في كافة أرجاء فرنسا وتبدل الحال، من تشارلز المحبوب إلى تشارلز المجنون.

اقترن به لقب المجنون حتى آخر يوم في عمره، فقد ازداد جنونه يوماً بعد يوم، لدرجة أنه كان يعتقد أن جسده من زجاج، كما كان ينسى اسمه تماماً، وينسى أنه حاكم فرنسا، ولم يكن يتعرف على زوجته أو أولاده، وبالطبع لم يعد قادراً على الإمساك بزمام الأمور، فدخلت فرنسا في حالة عارمة من الفوضى.

العقيـد القذافي

لطالما اقترنت غرابة الأطوار بالقذافي، أشهر أغرب الحكام العرب وأكثرهم إثارة للجدل، غرابته واضحة في كل شيء، أقاويله ومظهره وآراءه، وخطاباته التي لا تبدو خطابات رجل دولة مطلقاً، تاريخه حافل بالعجائب والغرائب، أشهرها كتابه الأخضر الذي يحوى خلاصة أفكاره وآرائه حول الحياة!

ومع هذا لم يكن جنون القذافي ناعماً سلساً، كأنها طرائف تتلى علينا فتنفطر قلوبنا ضحكاً، بل كان حاد المخالب أيضاً فمثله مثل كل الطغاه سجله حافل بجرائم عديدة تجاه شعبه، أبرزها حملة الإعدام التي قام بها في جامعة طرابلس للطلاب العزل، الذين لم يقترفوا ذنباً واحداً كي يحاسبوا عليه، فضلاً عن آلاف الأرواح التي أزهقتها قواته خلال ثورة 2011 بحجة أنهم إرهابيين، وما بين الحادثتين عدد هائل من الحوادث الأخرى التي ارتكبها تجاه شعبه طوال الـ 42 عاماً التي حكم فيها البلاد.

كيم جونغ أون

الطفل المدلل أو الوريث العظيم كما يلقب نفسه، مجنون آخر لازال التاريخ يسجل أعماله بدهشة متناهية، أصبح حديث العالم منذ اللحظة الأولى التي تولى فيها الحكم في ديسمبر 2011، فلا يزال يخرج علينا كل يوم بقرارات غريبة بل ومضحكة أحياناً، آخرها  كان اعتماد توقيت مختلف عن التوقيت العالمي لسبب غير معروف، حيث أعلنت وكالة الأنباء الرسمية لكوريا الشمالية هذا الخبر قائلة: “اليابانيين الإمبرياليين الحمقى، ارتكبوا جرائم لا تغتفر، كحرمان كوريا من التمتع بأن يكون لها مجالها الوقتي الخاص بها.”!

ولأن الطغيان نتيجة حتمية للجنون، يعيش الشعب الكوري حالياً أيام حالكة السواد، بما يمارسه الوريث العظيم من قمع وظلم وانتهاكات لحقوق الإنسان، بدءاً بعمليات التطهير التي يقوم بها تجاه معارضيه، مروراً بإعدامه لعدة مسؤوليين رفيعي المستوى كان آخرهم عمه المتهم بالخيانة العظمى.