مجرد التفكير في أن أكبر الطوائف المسيحية العربية وأقدمها تشعر الآن برعب حقيقي وتهديد جدي لوجودها، يغير مجرى الحديث ، ويعيد البحث الى الاصول، الى الجذور.. والى المستقبل. خوف الأقباط اليوم ليس مفتعلاً. لعله لم يكن كذلك في أي وقت. الاضطهاد سابق، قديم، وثابت. هو لا يرتبط بهذا الحاكم أو ذاك، بل يتصل بتقليد راسخ وسلوك دائم، يكاد يكون من عاديات الحياة في وادي النيل، ومن مسلماتها المتوارثة عبر الاجيال. المسألة الطائفية في مصر عميقة جداً . لعلها تختزل وحدها "المسائل" الطائفية التي واجهها العالم العربي والاسلامي منذ القدم وما يزال، سواء في المشرق كما في المغرب، ولم تنفع أي عقيدة سياسية مصرية في تسويتها أو حتى في تجاوزها. نجحت بعض العقائد في طمسها أو في تحييدها لفترة من الزمن. لكنها كانت ولا تزال جمراً تحت الرماد. إنفجارها الحالي ليس طارئاً، ولا مفاجئاً. الاسلام السياسي هو الآن في أدنى مراتبه وأسوأ مظاهره. وإستهدافه للاقباط لم يعد يتخذ شكله الثأري المزعوم من السلطة الهجينة، بل بات ينحو نحو الابادة والتصفية والاستئصال. ومدينة العريش التي أخليت من مسيحييها قبل شهرين فقط، لا تدع مجالا للشك في ان "الاسلاميين الجدد" ينادون بالعلن، جميع أولئك المختلفين عن دينهم ودنياهم بالقول:"أخرجوا من ديارنا فوراً". تماماً كما حصل في أنحاء أخرى من المشرق العربي، لا سيما في العراق، حيث أُقتلع مسيحيون من أرضهم وأزيل وجودهم التاريخي القديم من قبل "داعش" وسواه من التنظيمات الاسلامية الضالة.

 الخوف جديّ وقاسٍ. لا يمكن تبديده الآن بإستعادة الكلام المكرر عن فشل الدولة الوطنية وعجز المؤسسة الدينية وتردي البنية الاجتماعية. ولا يمكن حجبه بالتفسير المستهلك لتلك الظاهرة المتمادية، والمتمددة أكثر من أي وقت مضى في تاريخ مصر، والتي تُعرّف ب"الفئة الضالة أو الباغية" التي خرجت على المجتمع وكفّرت جميع أبنائه من دون إستثناء. فتلك قراءة  دقيقة، تفيد في صياغة بيانات الاستنكار والتعاطف والتضامن، لكنها لا تجدي في تحديد سبل الحؤول دون المزيد من المجازر المتلاحقة بحق الأقباط، وفي العمل على تجنب مجيء يوم تصبح فيه مصر خالية من مسيحييها. مثل هذا اليوم يدنو ، وينذر بكارثة إنسانية كبرى، تصيب العرب والمسلمين، وتغير وجه التاريخ العربي والاسلامي. الإعتقاد بان "الاسلاميين الجدد"، هم مجرد ظاهرة مؤقتة، عابرة، ليس له سند واقعي حتى الآن. لعله مجرد أمنية تتردد في اللحظات الحرجة. الادلة على أن أولئك "الضالين" يتكاثرون يوماً بعد يوم، وينتجون إنتحاريين أكثر مما أنتجته أي جماعة مقاتلة في التاريخ البشري، قوية ودامغة. والمؤشرات على وجود حملة منظمة من قبلهم لتصفية الوجود القبطي في مصر لم تعد تحتمل الشك. والمساعي المفترضة لإبعاد الاقباط عن دائرة الاستهداف من قبل الفئة الضالة، أو على الاقل لحمايتهم من عملياتها الوحشية، أخفقت، وثبت أنها أوهن من أن تصمد في ظل تلك الموجة العاتية. الفشل كان رسمياً وشعبياً، لكنه لم يكن حتمياً. ثمة فرص متاحة، أو يفترض ان تظل متاحة لتغيير موازين القوى، ولحصر أولئك الارهابيين في الزاوية اللانسانية واللاخلاقية.    الدخول في جدل حول مصادر تلك الظاهرة ومواردها، ومنابعها الفكرية والفقهية، صار من الماضي، ولم يبق منه سوى الاستغلال السياسي او الديني او حتى المذهبي، على نحو ما يحصل في بلدان عربية أخرى تواجه مثل هذا الضلال، حيث تجري نسبة الظاهرة الى دولة مناهضة أو مؤسسة مخالفة أو مركز معارض، ما يساهم في صياغة موقف يبرر الإرهاب المضاد، العلماني او القومي او حتى الديني..كما هو الحال في سوريا والعراق وتونس خاصة. أقباط مصر في خطر. لا وقت لأي مراجعة تاريخية او محاسبة سياسية او مساجلة فقهية. ثمة حاجة ملحة الى مخاطبتهم مباشرة، حتى من خارج الدولة الضعيفة ومن خارج المؤسسات السياسية والاجتماعية والدينية، والوقوف معهم بحزم أقوى من ذي قبل. فبقاؤهم في وطنهم، هو من شروط الوطنية المصرية، كما هو من ركائز الهوية العربية، التي كانت ولا تزال تسمو على الهوية الدينية لأي مواطن من المحيط الى الخليج. أقباط مصر في خطر. وإذا ما نجح الضالون في إخراجهم من ديارهم او حتى في عزلهم داخلها، فان البقية الباقية من المسيحيين العرب لن تجدد مبرراً كافياً للبقاء في أي بقعة عربية أخرى.. كما لن تصمد الفكرة الوطنية ولا القومية لكي تمحو ذاك الضلال وتزيل أسبابه.