فصل جديد من حادثة 'القمصان السود' تذكر بالانقلاب الذي أطاح بحكومة الحريري السابقة.
 

تعكس الحملة التي تقوم بها أجهزة الأمن اللبنانية للقبض على مطلوبين للعدالة داخل المناطق التي يسيطر عليها حزب الله، حجم الآفة التي ترعرعت تحت رعاية الحزب وغض النظر من قبله. كما تعكس قلق الحزب نفسه من ظاهرة باتت تتضخم داخل ما يطلق عليه بـ”جمهور المقاومة”.

وبدأت في الضاحية الجنوبية لبيروت، منذ أسبوعين، عمليات دهم مكثفة قامت بها أجهزة أمنية لبنانية أبرزها مخابرات الجيش وشرطة الاستقصاء طالت رؤوسا كبيرة من أخطر المجرمين المطلوبين بتهم “صناعة المخدرات والاتجار بها في لبنان والخارج”، وذلك وفق مذكرات توقيف متعددة.

غير أن مصادر أخرى ترى أن سماح حزب الله للقوى الأمنية النظامية بالقيام بعمليات دهم داخل مناطقه، هدفه تبرئة الحزب من أي تواطؤ مع هؤلاء المطلوبين لتلميع صورته، وعدم الصدام مع هذه الشريحة التي تنتمي إلى عائلات وعشائر توالي الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل.

وتتحدث مصادر أمنية عن أن هذه التوقيفات التي ظهرت فجأة وبعد مضي أكثر من 25 سنة على الفلتان الأمني في الضاحية الجنوبية والتستر على مطلوبين وعدم مبالاة حزب الله في تلك الفترة لا بل دعمهم مقابل مساعدات مالية، قد يكون سببها، كما رشح، أن هذه الأسماء المطلوبة لم تعد تقدم للحزب الدعم المالي بالشكل المناسب.

غير أن الحملة التي قادتها الأجهزة الأمنية اللبنانية داخل معقل “حزب الله” ومربّعه الأمني البالغ عدد سكانه ما لا يقل عن 600 ألف نسمة غالبيتهم ينتمون إلى الطائفة الشيعية، انتهت ليل الجمعة والسبت الماضيين، باستعراض لعناصر مقنّعة من “حزب الله” وهم يداهمون شوارع محددة في الضاحية الجنوبية، لا سيّما تلك التي تضم مخيّم “برج البراجنة” للاجئين الفلسطينيين.

وسعى حزب الله إلى التنصل من هذا الاستعراض وإلصاقه بتشكيل محلي تحرك بمبادرة ذاتية لتطهير المناطق الأهلية من تجار المخدرات والمهربين.

واعتبرت مصادر سياسية لبنانية أن ادعاءات الحزب واهية، ذلك أنه لا يمكن لاستعراض منظم مسلّح لمجموعات مقنعة أن تتحرك في منطقة “الضاحية” دون رعاية كاملة من قبله، وأن الحزب أراد من استعراض القوة هذا أن يذكر الحكومة اللبنانية أن أمر هذه المناطق هو في النهاية للحزب، حتى لو رعى دخول قوات أمنية لبنانية إليها.

وأراد تذكير أهل “الضاحية” وعصابات الإجرام داخلها أن الحزب هو الممسك بعصب الحياة في هذه المناطق، وأن دخول قوى الأمن اللبنانية أمر عرضي لا يمس الثوابت.

وكانت الأنباء تحدثت عن أن عملية استعراض الملثمين التابعين للحزب في عدد من أحياء ومناطق الضاحية الجنوبية، أتت ضمن إطلاق سرية عسكرية جديدة للحزب بقيادة عبّاس حميّة، و”بعض كبار تجار المخدرات ينتمون إلى عشيرة قائد السرية”.

ويصل تعداد هذه السرية إلى نحو 120 عنصرا ويتمثل دورهم في ملاحقة أي مشتبه أو مطلوب أو تاجر مخدرات، وأُطلق على السرية الجديدة اسم “العباس”.

وتركت مشاركة حزب الله في هذه المداهمات علامة استفهام كبيرة لدى شريحة من اللبنانيين، عن دوافع تدخّله في هذه المداهمات، وفي المرحلة الأخيرة تحديدا، رغم أنه من الشائع بين اللبنانيين أنه يغطّي أسماء كبيرة تُتاجر بالمخدرات، معظمهم من البقاع (شرق)، كون هؤلاء يقدّمون الدعم المادي للحزب منذ 2000، وهم من عشائر معروفة جدا مثل زعيتر، جعفر، المقداد، أمهز، برّو وحميّة.

ويعتبر المراقبون أن الأمر لا يعدو كونه فصلا جديدا من حادثة “القمصان السود”، حين قام أفراد الحزب بالانتشار داخل بعض مناطق الضاحية وبيروت بلباسهم الأسود عشية “الانقلاب” الذي أطاح بحكومة سعد الحريري واستبدالها بعد ذلك بحكومة نجيب ميقاتي عام 2011.