في الوقت الذي كان رؤساء أركان جيوش الولايات المتحدة الاميركية وروسيا وتركيا مجتمعين في انطاليا التركية، لمناقشة الوضع العسكري في سوريا، كان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يجري اتصالاً طارئاً برئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو استمرّ نصف ساعة.
 

 واللافت أنّ نتنياهو الذي كان يخضع لجلسة استجواب قضائية بتهم الفساد طلب وقتاً مستقطعاً للرد على مكالمة ترامب.في انطاليا بحث رؤساء اركان الجيوش الثلاثة في تنظيم عمل قواتهم، وبالتالي ترتيب حدود المهمات، خصوصاً للجيش التركي والواقع الميداني الجديد الذي فرضه وصول قوات برية اميركية الى منبج، ومهمات الدعم الخلفي الذي ستتولّاه، إضافة الى مجال عمل القوات الكردية والتي تسجل تقدّماً واضحاً في الرقة حيث بدأت تظهر علامات تضعضع في المنطقة التي اعتبرها تنظيم «داعش» بمثابة عاصمته.

لكنّ اللافت ما صدر عن البيان المقتضب لاجتماع انطاليا حيث ورد أنّ رؤساء الاركان «بحثوا في آخر التطورات المتعلقة بمحاربة كلّ التنظيمات الارهابية في سوريا».

فالتعميم المتعلق «بكلّ التنظيمات الارهابية» يفتح باب الاجتهاد والتأويل خصوصاً في ظلّ الحركة الاسرائيلية الناشطة، والمقصود تحديداً بعبارة «كلّ».

غداً من المفترض أن يبدأ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان زيارة لموسكو سيخصّص الجزء الاساسي منها للوضع في سوريا من خلال مناقشة الدور المستقبلي للقوات التركية الموجودة داخل سوريا، اضافة الى وجود رغبة تركية ببناء قاعدة عسكرية دائمة للجيش التركي شمال سوريا، مهمّتها تأمين منطقة عازلة تمتد في محاذاة الحدود مع تركيا، اضافة الى مسألتي الاكراد والنفوذ الايراني الكبير في سوريا.

ولاحقاً سيزور نتنياهو موسكو للقاء بوتين بعد زيارته منذ اسابيع معدودة واشنطن ولقائه ترامب. الاوساط الديبلوماسية الاوروبية تنقل أنّ نتنياهو سيناقش في موسكو ما سبق أن ناقشه في واشنطن حول تطورات الوضع في سوريا والسبل الآيلة الى محاربة الوجود الايراني فيها.

وحسب هذه الاوساط، فإنّ نتنياهو يشتكي من التأثير الايراني المتصاعد الذي بات على مقربة من الحدود في الجولان، اضافة الى سعي طهران لترجمة نفوذها الميداني من خلال تسوية سياسية تشرّع لها ترسيخ نفوذها العسكري براً وحتى بحراً.

وفي تطور أوضح، فإنّ وزير الدفاع الاسرائيلي افيغدور ليبرمان الذي التقى وزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس صاحب النفوذ القوي داخل الادارة الاميركية، طرح ملف «حزب الله» والمكاسب التي حققها في سوريا وتطوير قدراته القتالية في لبنان والتي باتت نوعية إن برّاً أو بحراً، وهو ما يجعله في وضع افضل بكثير، خصوصاً في ظلّ سلطة لبنانية مساندة، ومستعدة لمساعدته كما نقلت مصادر ديبلوماسية اميركية.

وفي البيان الصادر عن اللقاء ورد أنه تمّت مناقشة تشكيل تحالف من القوى المعتدلة في المنطقة لمحاربة الارهاب.

هذه الصورة تعطي انطباعاً أوّلياً أنّ ثمّة تحضيرات جارية للضغط على ايران عبر الساحة السورية. ولا شك في أنّ اسرائيل متحمّسة لذلك بهدف كسر الخلل في التوازن الاقليمي والذي تكرّس منذ التفاهم الاميركي - الايراني حول ما عرف بالملف النووي.

وبالتأكيد، فإنّ تركيا الساعية لتعزيز نفوذها، خصوصاً في الشمال السوري تشجع على تحجيم دور ايران المنافس الاقليمي الابرز لها. وقد تكون بعض الدول العربية التي خلصت الى هزيمة عسكرية في سوريا ترغب بقوة في توجيه ضربة قوية للنفوذ الإيراني في سوريا ستؤثر حتماً على واقع «حزب الله» في لبنان، ما يعوّض لها بعض الخسائر وهي مستعدّة لتمويل هذه الضربات حتى ولو وصلت الى مستوى الحرب.

لكنّ الحسابات ليست بهذه البساطة، ذلك أنّ أيّ حركة عسكرية من دون موافقة روسيا الكاملة والمطلقة تبدو أقرب الى الانتحار ومكتوباً لها الفشل مسبقاً. وروسيا التي ارتبطت بتفاهمات استراتيجية مع ايران مع الزيارة التاريخية التي قام بها بوتين الى طهران، قد لا تكون مستاءة في حال تراجع النفوذ الايراني في سوريا كونها، أي موسكو، ستستفيد من ملء الفراغ الحاصل.

لكنّ التعاون الحاصل بين الدولتين هو في العمق ويطاول مصالح حيوية للبلدين، وهو ما يعني أنّ أيّ تأثيرات سلبية على أيّ منهما سيرتدّ على الآخر لا العكس، أقله في المرحلة الحالية، أما مستقبلاً فلكل حادث حديث.

حتى بالنسبة إلى إدارة ترامب التي تتخبّط في المشكلات والفضائح الداخلية وسط تراجع لتأييد الاميركيين لم يشهده أيّ رئيس سابقاً. هذا الواقع الاميركي يظهر أنّ أحد أهم نتائجه عدم وجود سياسة خارجية فعلية لواشنطن، وهو ما يعني غياب الاهداف الحقيقية.

على سبيل المثال، فإن وزير الخارجية ريكس تيلرسون غاب عن الصورة منذ لحظة تعيينه ولم يظهر إلّا منذ ايام وبنحو هامشي وخجول. غاب عن زيارات مهمة مثل رؤساء الوزراء الاسرائيلي والكندي والياباني، لم يدلِ بأيّ تصريحات، وحتى الساعة لم تختر له الادارة الاميركية مساعديه والمناصب الاخرى المهمة لادارة السياسة الاميركية عبر العالم.

ويتولّى ذلك أشخاص بالإنابة فيما ملف الشرق الاوسط في يد جاريد كوشنر صهر الرئيس، وقيل إنّ تهميش تيلرسون جاء عقب رفضه طلب ترامب بتعيين اليوت ابرامز نائباً له. وهذا الاخير يهودي متطرف عمل سابقاً مسؤولاً عن ملف الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي.

كذلك جرى اقتطاع جزء من موازنة وزارة الخارجية لمصلحة وزارة الدفاع، فيما يتولّى البيت الابيض من خلال مستشار الرئيس ستيف بانون جدولة المهمات المتعلقة بالخارج.

وفي موازاة ذلك نزاع عنيف يستمر تصاعدياً بين الرئيس الاميركي وخصومه، في وقت يتهم قريبون من ترامب وكالة المخابرات المركزية الاميركية بالوقوف وراء تسريب المعلومات للتحريض على ترامب والعمل على إسقاطه، في وقت عادت تسريبات «ويكيليكس» فجأة ولتضرب بقوة ولكن هذه المرة للوثائق السرّية للـ CIA.

نزاع عنيف دفع بوزير الدفاع الاسرائيلي السابق موشي يعالون الى تحذير الحكومة الاسرائيلية بعدم الانحراف كثيراً مع ترامب خشية أن تتحوّل المشاعر المناهضة له في اتجاه اسرائيل لاحقاً.