عندما يستمر الصحافي الأجنبي المقيم خارج الولايات المتحدة في طرح الأسئلة الصعبة عن رئيسها الجديد دونالد ترامب على أصدقائه المتابعين في واشنطن يأتيه الجواب الآتي: لا نستطيع تقديم أجوبة مدعّمة بحقائق لعدم إقدام الرئيس ووزرائه وكبار مساعديه على وضع سياسات تفصيلية.
 

ففريق الأمن الوطني ينتظر اجتماعاً جماعياً لم ينعقد بعد. والإدارة لا تزال تواجه مشكلات في محاولتها ملء المواقع المهمة في "إداراتها" مثل نواب الوزراء ووكلائهم ومساعديهم. ويبدو أن عدد الكفوئين لملئها لا يزال غير كاف. علماً أن عدد العاملين فيها يتناقص جرّاء استمرار بعضهم في الاستقالة وبعضهم الآخذ في التقاعد".
هل يعني ذلك استحالة الخوض في القضايا الأساسية التي تواجهها أميركا ترامب حالياً والأخرى التي قد تواجهها مستقبلا؟
يجيب عدد من هؤلاء المراقبين والمتابعين والمحلّلين في واشنطن أن محاولة الاستشراف تبقى دائماً ممكنة رغم غياب السياسات وشغور المواقع. لكن هامش الخطأ فيها يكون موجوداً وأحياناً تكون نسبته غير قليلة. ففي العلاقة مع روسيا فلاديمير بوتين يبدو أن موضوع تحسين علاقة أميركا معها لم يعد من أولويات إدارتها الجديدة وربما صارت في آخر جدولها. ويبدو أيضاً أن "مواجهة" إيران الاسلامية صارت أولوية عندها. أما في موضوع المتشدّدين من الاسلاميين محترفي الإرهاب والممارسين له فلا بد من انتظار ما سيوصي به وزير الدفاع جيمس ماتيس. لكن إرسال قوات عسكرية الى سوريا بدأ يتقدّم على قضايا أخرى. وموعد ذلك قد لا يكون بعيداً بعدما صارت إيران موضع اتفاق تام بين ترامب والقيادات العسكرية. والبعض في الادارة وخارجها يرى في إيران تهديداً وجودياً، وانطلاقاً من ذلك يبدو أن تحالفاً ضدها سياسياً وعسكرياً هو قيد التأسيس. وهو يضمّ حتى الآن إضافة الى الولايات المتحدة، إسرائيل والمملكة العربية السعودية. والعلاقات المكشوفة وغير المكشوفة بين الاسرائيليين والسعوديين جيّدة جدّاً وهي على أعلى المستويات. والتعبير العملاني عنها قد يتم عند الحاجة وفي حال حصول مواجهة عسكرية مع إيران. وذلك كله هو موضع تخطيط حالياً. ولهذا السبب فإن خطة ترامب لنقل سفارة بلاده من تل أبيب الى القدس قد تتأخر. ويبدو أن المجتمع اليهودي الأميركي لا ينصح الإدارة بخطوات أو تحركات أو مواقف تؤجج "العداء للسامية" الذي يكبر في أميركا حالياً. أما مصر فيشير المتابعون والمراقبون والمحلّلون في واشنطن أنفسهم، الى أن رئيسها عبد الفتاح السيسي يتمتع حالياً بموقع مميز داخل الإدارة الجديدة. فترامب يبدو أنه يحبه أو يستلطفه. وهو يؤمن بضرورة مساعدته لمحاربة "إرهابيّيه". ويلفتون هنا الى أنهم لن يتفاجأوا إذ غضّت البحرية العسكرية المصرية النظر عن شحنات الأسلحة التي ترسلها إيران الى حلفائها في اليمن أو إذا لم تساعد في مواجهتها.
ماذا عن تركيا؟ يُرجّح في رأي هؤلاء أن تكون اختفت عن الرادار الأميركي لأن أصحابه لم يعودوا يعرفون على ما يبدو ماذا يريد رجلها القوي أي رئيسها رجب طيّب إردوغان، وماذا يخطّط، وما هي الأهداف الفعلية التي يريد تحقيقها. علماً أن المعلومات المتوافرة تشير الى أنه لم يعد رافضاً كياناً كردياً متمتعاً بحكم ذاتي على حدوده مع سوريا، شرط أن لا يكون موصولاً بالكيان الكردي في العراق الذي صار الآن دولة بحكم الأمر الواقع.
مذا عن الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه ترامب؟ يبدو أنه قد يكون اقترب من نهايته. فالرئيس الجديد "اختطفه" واقعياً وسيحوّله قريباً حزباً شعبوياً إذا امتنع الشيوخ الجمهوريون النافذون عن مواجهة ذلك، ولا يبدو ذلك حاصلاً. في اختصار بدا ترامب ولساعات قليلة "رئاسياً" عند إلقاء خطابه الأول في الكونغرس، وعلى الأميركيين الانتظار لمعرفة إذا كان سيعود الى "عاداته" وإحداها التهجّم المستمر على الاعلام. واذا كان سيعطي الأولوية للمحافظة على شعبيّته ولإبقائها معبّأة ومستعدة للنزول الى الشارع إذا واجه "مكائد" ما. علماً أنه قد يواجه مشكلات معها إذا خفّف لهجته حيال المهاجرين، ومع "المؤسسة الجمهورية" إذا قرّر زيادة الإنفاق على القوات العسكرية والبنى التحتية في ظل خفض الضرائب. كما بدا الرئيس الروسي بوتين خاسراً بتحاشي ترامب ذكر روسيا في خطابه المُشار إليه.