وضع لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشيخ الأزهر أحمد الطيب قبل أيام حداً للجدل بدأ حول مسألة الطلاق الشفوي التي رفض الأزهر تعديل أحكامها، وتحول إلى نقد علني وجّهه السيسي إلى الطيب، المتهم، وفق الإعلام الرسمي، بالتراخي في الاستجابة لمطالب «تجديد الخطاب الديني» التي تلحّ السلطة السياسية عليها منذ حوالى العامين. انتهى الجدل الأخير بتأكيد رئيس الجمهورية أن الأزهر هو «منارة الفكر الإسلامي المعتدل»، في ما بدا كتهدئة لما قيل إنه سحب للموضوع الشديد الأهمية بالنسبة إلى السلطة من يد الأزهر وإسناده إلى مستشار الرئاسة للشؤون الدينية أسامة الأزهري، ما أثار استياء الأزهر الذي ينظر إلى نفسه ومعه ملايين المسلمين بصفته المرجعية المخولة، قبل غيرها، الفصل في مسائل الخطاب الديني. استعرض الشيخ الأزهري في مقالة في «الأهرام» («أمر يدع اللبيب حائراً» 28 كانون الثاني/ يناير 2017) ما رأى فيه دور الأزهر في التصدي للأخطار التي عصفت بمصر متسائلاً عن سبب نكوص هذه المؤسسة عن دورها المطلوب حالياً والنهوض إلى «عمل يليق بالتاريخ المشرف، ويسعف الوطن والدين، ويسعف شعب مصر والأمة العربية والعالم في وقت حساس وخطير». التسوية التي طوقت الجولة الحالية من الجدال، ليست الأولى في تاريخ العلاقات بين الدولة المصرية والأزهر حيث شهدت مواجهات وخلافات إلى جانب الود والتوافق بين الجانبين على امتداد قرون. لعل كثيرين يودون التقليل من أهمية الخلاف الأخير بين الدولة المصرية والأزهر والتشديد على أن الأمر انتهى وأن الشيخ الطيب أكد في اللقاء مع السيسي استمرار جهود الأزهر في تجديد الخطاب الديني. بيد أن للقضية وجوهاً إضافية، لا يصح اختصارها بجزئية توثيق الطلاق الشفوي وموقف هيئة كبار العلماء في الأزهر منها. ما ينبغي الالتفات إليه في هذا الخلاف هو محاولة السلطة السياسية إحياء نموذج العلاقة التي سادت بينها وبين الأزهر منذ ثورة يوليو 1952، حيث سار الأزهر ضمن المحددات العريضة التي وضعتها الدولة المصرية في طورها الحديث. إشارة الأزهري في مقاله المشار إليه إلى خطاب الرئيس جمال عبد الناصر سنة 1954 حيث أكد أهمية ما قام به الأزهر من كفاح ضد الحملة الفرنسية والاحتلال الإنكليزي، لا تخطئها عين قارئ لناحية تذكيرها الأزهر تذكيراً غير مباشر بأسس الصلات وبالمواقع والأدوار حيال دولة الضباط الأحرار التي يشكل حكم السيسي استئنافاً لها بعد الرئاسة القصيرة لمحمد مرسي وعهد «الإخوان المسلمين» التعيس. لكن الأمر أشد تعقيداً من طلب رئاسي واستجابة أزهرية. تستطيع المؤسسة الإسلامية السنّية الأهم في العالم توفير تغطية عامة للحكم في مصر، بيد أنها لا تستطيع مجاراته في جدول أعماله السياسي سواء لناحية مواجهة التطرف أو إدخال تعديلات إجرائية، من دون أن تأخذ في الاعتبار الوضع الاجتماعي العام ومستوى تقبل المصريين والمسلمين عموماً، لأي خطوة تخطوها نحو إضفاء الشرعية على خطوات ترى السلطة أهمية اتخاذها في لحظة معينة. وبعد عقود من رعاية الدولة، في عهدي أنور السادات وحسني مبارك، لخطاب ديني شديد المحافظة سياسياً واجتماعياً، وإضفاء القداسة على اعتقادات وممارسات منتشلة من غياهب التاريخ، يصعب على الأزهر القيام بالتفافة سريعة نحو وجهة معاكسة، ما لم يجر التحضير الواسع لخطوته تلك على نحو مشابه للتحضيرات التي قامت بها أجهزة السادات ومبارك على الصعد الإعلامية والثقافية بل حتى دفعها لبعض رجال الدين إلى تصدر المشهد العام. باختصار يجوز الزعم أن الخلاف الأخير بين الأزهر والرئاسة يكمن في تباين الأولويات: تجديد الخطاب الديني أو تجديد الدولة المصرية وصيغة العلاقة بين الجانبين وبينهما وبين المجتمع المصري كلاً.