لن تحارَ من أين ستبدأ المحكمة العسكرية الدائمة في محاكمة عمر حسن العاصي الذي حاولَ تفجير نفسِه في مقهى «الكوستا» في منطقة الحمرا في 2017/1/21. فقاضي التحقيق الأول رياض أبو غيدا اختصَر عليها الطريق في سؤاله العاصي: «هل لا زالت عندك النيّة بتنفيذ عمل إرهابي؟» وجاء الجواب: «أجل...»، وفق ما أظهرَه القرار الظنّي الذي صَدر بحقّ العاصي أمس.لم تنجح حيلة العاصي باعتماد الانتقال المتقطع وتبديله السيارات لبلوغ هدفه من صيدا إلى خلدة والكولا ثم الحمرا، فحنكة رجال المخابرات وفرع المعلومات كانت أكبر، وتمكّنوا من شلّ حركته قبل ثوانٍ من ضغطه زرَّ تفجير حزامه الناسف، محافظةً بذلك على أرواح المواطنين.

من هنا البداية...

منذ العام 2009 كان العاصي يتردَّد إلى مسجد بلال بن رباح، إلتزَم دينياً وتابع دروساً ومحاضرات للشيخ أحمد الأسير بعدما انتمى إلى جماعته، واشتركَ في معركة عبرا في 2013/6/18. ثمّ شكّل مع الإرهابي الفار شاهين سليمان خلايا أمنية وخطّطاً لاستهداف كوادر حزبية في صيدا.

وعام 2014، التحقَ العاصي بخلايا أمنية تابعة لشاهين سليمان بهدف ضرب «سرايا المقاومة» و«حزب الله» والجيش اللبناني والأمكنة التي يرتادونها ومنها مقهى «هوب هوب». ولدى انكشاف أمر هذه الخلايا أحرقَ خطوطه الأمنية وباع بندقيته للفلسطيني محمود عبد العزيز.

كان يتابع العاصي إصدارات «داعش» ويدخل إلى صفحات التنظيم محاولاً التواصل مع أمرائه للالتحاق بهم، لاقتناعه بوجوب الجهاد. وأوائل العام 2017 أنشَأ حساباً على «تويتر» سمّاه «أبو محمد اللبناني» وغرّد ما يلي: «نحن نموت في لبنان ذلّاً وقهراً، ولم أعد أحتمل لأنّ الدولة اللبنانية هي للشيعة والنصارى»، طالباً المساعدةَ للسفر إلى سوريا أو العراق.

من هو «ليلو»؟

تبلّغَ العاصي جواباً على تغريدته من شخص لقَّب نفسَه باسمِ «ليلو»، وهو أحد مسؤولي «داعش»، طلبَ منه إغلاقَ حسابه على «تويتر» وإنشاءَ آخر على «التلغرام»، فأطلقَ العاصي على حسابه الجديد اسمَ «ويسو».

واستفسَر «ليلو» من العاصي عن أدقّ تفاصيل حياته العائلية ومكانِ إقامته والدوافع التي جعلته يطلب الالتحاق بـ»داعش». وعلى حدّ وصفِ العاصي: «أسئلة «ليلو» تلخّص حياتي كلّها».

وقال العاصي: «إعتقادي أنه رَجل أمنيّ، ورغم ذلك كان يتابعني دينياً فيما اذا كنت أقوم بفرائض الصلاة والصيام والبِر بالوالدين والأخلاق، وأفهمَني أنّ التقيّد بذلك، يعني «إذا متَّ تكون طاهراً».

هكذا جُنِّد العاصي...

بدايةً أقنَع «ليلو» العاصي بأنه لا يستطيع مساعدته للانتقال إلى سوريا لصعوبة ذلك، وخوفاً من اعتقاله.

وعرَض عليه بدلاً من ذلك تنفيذ عملية انتحارية في لبنان، فطلبَ العاصي مهلة للتفكير. فكّر ووافق، مُبرّراً موافقته بالقول: «سأفوز بالآخرة وأحظى بالعزّة». فقال «ليلو»: «إذن، عليك يا عمر بمتابعة حياتك العادية بشكل طبيعي والاستعداد النفسي ووجوب تقيّدِك بالسرّ والكتمان إلى حين اختيار التاريخ والوقت والمكان».

وبقيَ التواصل بين الاثنين قائماً ومستمرّاً، يدور حول الوضع في لبنان وسوريا... وطوال هذا الوقت «أصبحتُ أشعر بأنّني جندي عند «ليلو» وعلى كامل الاستعداد لتنفيذ ما يطلبه منّي».

لماذا «الكوستا»؟

• أبو غيدا: لماذا مقهى «الكوستا»؟
- العاصي: لأنّ روّاده من مناصري «حزب الله» ومِن النصارى.

• أبو غيدا: ما هي الغاية الدينية التي دفعَتك لتنفيذ العملية الانتحارية؟

- العاصي: للصعود ليس إلى الجنّة إنّما إلى الفردوس.

• أبو غيدا: ما الفارق بين الجنّة والفردوس؟

- العاصي: الفردوس أعلى مراتب الجنّة.

• أبو غيدا: تقول إنّك بايعتَ أبو بكر البغدادي خلال تجنيدك، ما العبارات التي استعملتَها؟

- العاصي: «إنّني أبايع أميرَ المؤمنين أبو بكر البغدادي على السمع والطاقة في المنشط والمكره والعسر واليسر وعلى إثرة عليّ، وأن لا أنازع الامر اهله، إلّا عندما أرى كفراً بواحاً عندي فيه من الله برهان».

وقد سجّلتُ المبايعة هذه (Audio) بصوتي وأرسلتُها بواسطة «التلغرام»، وللمزيد من الثقة عُدت وسجّلتها (video) بغرفتي، وأرسلتُها الى أميري ليطمئنّ اطمئناناً كاملاً بصدق نيتي، ولقبُ هذا الامير «ليلو».

أساليب التمويه

في كانون الثاني، وتحديداً في 21 منه اتّصل «ليلو» بالعاصي بواسطة «التلغرام» ليطمئنّ عليه بشكل غير عادي.

• «ليلو»: هل أنت مستعد؟

- العاصي: نعم أنا مستعد.

- «ليلو»: إذن، قم بالصلاة ركعتين ودعاء ثمّ البِس ثيابك وتوجّه إلى ملعب «البومب ستيك»، مقابل جامع الحريري في صيدا، فتجد هناك سيارة «رانج» نوع «تويوتا» لون جردوني. وتقول لسائقها كلمة السر وهي «شركة بيبلوس»، وإذا هزّ السائق رأسَه بالايجاب، تكمل كلمة السر بالقول: «يلي صَبر بيوصَل».

ويعترف العاصي: «توجّهتُ إلى المكان ووجدتُ السيارة في انتظاري، قلتُ للسائق «السلام عليكم»، بعدها كلمة السرّ، فدعاني للصعود، وقال بوجه بشوش: «توكّل على ربّ العالمين»، فصعدتُ ومشى مسافة قصيرة ثمّ توقّف ومدّ يده إلى المقعد الخلفي وسلّمني حزاماً ناسفاً طالباً منّي ارتداءَه.

عندها وضعتُه على خصري تحت سترتي وساعدني بمدّ السلك على يدي ووضعتُ الصاعق في قبضة يدي، وأخبرَني أنّه بمجرّد سحب الحلقة يتمّ التفجير خلال خمس ثوان. وأفهمني أنّ الهدف هو مطعم «الكوستا» في الحمرا.

فسألتُه لماذا «الكوستا»؟ «مش» الأفضل مقرّ لـ«حزب الله»؟ فجاوَب السائق: «هذا هو الهدف، فروّاد هذا المقهى أغلبيتهم من مناصري الحزب ومن النصارى».

بعدها غادر السائق الذي سلّمَ العاصي الحزام الناسف ووقفَ العاصي في المحلّة (صيدا) حيث صعد بسيارة أقلّته إلى خلدة، ثمّ استقلّ سيارة أجرة إلى الكولا في بيروت، ومنها سيارة تاكسي إلى شارع الحمرا.

لهذه الأسباب لم يُفجّر نفسَه

ويروي العاصي: وصلتُ إلى مقهى «الكوستا» بعدما تمشّيتُ أمامه قليلاً، ثمّ دخلتُ وطلبت القهوة والشوكولا وتحدّثتُ مع إحدى العاملات قائلاً لها: كيفك؟ كيف صحّتك؟ ورحتُ أنظر إلى الزبائن وأسأل نفسي هل هم فعلاً شيعة ومسيحيون؟

وخلال ذلك سمعتُ أشخاصاً على طاولة قربي لهجتُهم سوريّة، فحسبتُ أن هؤلاء مسلمون سنّة فقلت في نفسي «إشرَب القهوة يا عمر وانسحِب وفجِّر نفسَك بمطعم آخر». وفي تلك اللحظة تعرّضتُ لضربةٍ قوية على رأسي وسقطتُ أرضاً وكُبّلَت يداي ثمّ أغميَ عليّ ولم أستيقظ إلّا في المستشفى على صوت الأطبّاء حولي.

• أبو غيدا: ألم تحاول تفجيرَ نفسك عند اعتقالك؟
- العاصي: أفقدتني الضربة على رأسي التوازنَ للحظات، وبعدها وجدتُ نفسي مكبّلَ اليدين ولا أستطيع الحركة.
• أبوغيدا: وهل لا زالت عندك النيّة بتنفيذ عمل إرهابي؟
- العاصي: أجل وسأحظى بالجنّة لقاء ذلك.
• أبو غيدا: من كان يعلم بالعملية غيرُك؟
- العاصي: لا أحد.

وعرضَ أبو غيدا على العاصي صورةَ الحزام الناسف، فأكّد أنه هو نفسُه الذي كان سيفجّره، وأنّه شخصياً كتبَ وصيتَه بخطّ يدِه وسجّلها صوتياً من دون عِلم أحد.

الأجهزة الأمنية... فضَحته

كثّفت مديرية المخابرات عمليات المراقبة والرصد لكلّ المقاهي والمحلّات في منطقة الحمرا، بناءً على معلومات وصلتها أنّ تنظيم «داعش» سينفّذ عملية انتحارية في أحد مقاهي الحمرا، ومِن بينها «الكوستا»، واشتبهت خلالها بتحرّكات أحد الأشخاص قرب مقهى «الكوستا» ومن ثمّ دخوله إليه والجلوس إلى إحدى الطاولات وهو ينظر إلى الزبائن بشكل غير طبيعي، ثمّ ينادي إحدى العاملات ويتحادث معها وهو يحتسي القهوةَ والشوكولا ويستمرّ بالنظر حوله.

الأمر الذي حدا بعناصر المخابرات الموجودة للقبض عليه بطريقة خاطفة وسريعة ودقيقة شلّت حركتَه بتوجيه ضربة على رأسه وتثبيتِ يديه. بعد تفتيش العاصي وجِد معه حزام ناسف مربوطاً إلى جسده، ففكَّكه الخبير العسكري وعطّل مفعوله.

ثمّ نُقل الانتحاري إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، حيث خضَع للعلاج. ليُنقَل بعدها إلى المستشفى العسكري، وبقيَ فيها مدة 48 ساعة للمراقبة، ونُظّمت تقارير طبّية تفيد أنّه بنتيجة التصوير الشعاعي والفحوص السريرية لا يعاني العاصي أيَّ كسور أو نزيف، وهو صالحٌ لدخول السجن ولا يحتاج لأي معالجة طبّية.

والنتيجة؟

بما أنّ العاصي كان في وضعية البدءِ بالتنفيذ وأتمّ كلّ التحضيرات والأعمال لاقتراف جريمته، إلّا أنّ ظرفاً خارجاً عن إرادته حالَ دون إتمام ذلك، فيكون فِعله منطبقاً على المادة 200/549 عقوبات، وحيازته حزاماً ناسفاً مليئاً بالمواد المتفجّرة بهدف تنفيذ عمل إرهابي يؤلّف الجرم المنصوص عنه في المادة 5 و6 من قانون 1958/11/1 (الإرهاب)، واقتناؤه بندقية حربية يؤلف الجرمَ المنصوص عنه في المادة 72 و76 أسلحة، اتّهمت المحكمة العاصي بالجناية المنصوص عنها في المواد 335 و200/549 عقوبات والمادة 5 و6 من قانون 1958/11/1.
اخترنا لك


ناتالي إقليموس