إن ظاهرة التسول في لبنان ليست حديثة العهد وإنما مستفحلة في صلب المجتمع اللبناني كغيرها من الظواهرِ العالقة، إذ أن لبنان يكادُ يشكل النسبة الأعلى في العالم للأطفال العاملين بين سنِّ ال15 وال 17. أضف إلى ذلك وجود أكثر من مليوني نازحٍ على الأراضي اللبنانية، وغالبًا ما يتم إستغلال الأطفال بطريقةٍ أو بأخرى من خلال دفعهم لبيع السلع البسيطة في الشوارع و تحريضهم على التسوّل إما من قبل ذوِيهم أو غيرهم بإعتبارهم الفئة الأكثر جذبًا للإستعطاف والصدقة حتى يتحول التسوّل عند هذه الشريحة إلى عادةٍ يومية ثم إلى مهنةٍ مُربحة بظل إنعدام الدور الفعال الذي يلعبونه في المجتمع. تتباينُ المواقفِ في أوساط المجتمعِ اللبناني، فمنهم من يتعاطف بقوّة ويساعد قدر المستطاع ومنهم من يحايد متحفظًا عن أي مبادرة في الإحسان، أما بعضهم الآخر فيذهب أبعد من ذلك ليبدو فظًا في التعامل وقاسيًا بالتعاطي لا سيما مع المتسولين الصغار، وفي الحالات الثلاثة التباس تام عن ظروف هذه الظاهرة.

 

إقرأ أيضًا: الصحافة الورقية: بعد السفير من التالي؟ فإذا سلمنا جدلًا أن المتسول يعيش ضائقة مالية ولا بدّ لمن ترسى في أعماقهِ بعضًا من الإنسانية أن يبادر للمساعدة، ولكن هل بوسع أحدنا أن يحصي عدد المتسوّلين الذي يقابله يوميًا؟ ماذا لو لبّينا نداء الجميع ماذا سيحل بالدخل اليومي؟ إذًا يشكل عامل النزوح واحدًا من أهم الأسباب التي خلف وراءها أعدادًا كبيرة من المتسوِّلين بفعلِ الوفود غير المنظم من مختلف الدول العربيةِ إلى بلدٍ يتلفظ أنفاسه الإقتصادية الأخيرة، ليقع النازحون بدوامة البطالة التي تؤدّي بدورها إلى الفقر والعوز وبالتالي العجز عن تعليم الأطفال والتحوّل عن دروب تحصيل العلمِ والثقافة بُغية تأمين حاجاتهم  الأساسية دون الإكتراث بالحاجات الفكرية والنفسية التي يجدر بالجمعيات الإنسانية والثقافية والوزارات المعنية تسليط أضواء الرقابة عليها وإعتماد الخطط والسياسات التنموية منذ الصغر كي تكف ولادة الكوارث من رحم الأزمات.  وفي المقابل يقتصر دور الدولة والجهات المعنية على التوقيع والتصديق على إتفاقيات حقوق الطفل التي تعترف بحقوقه وحمايته من الإستغلال الإقتصادي أو القيام بأي عمل يكون ضارًا بصحته الجسدية والنفسية. وعليه، إن السبيل لنجدة هؤلاء الأطفال المتسولين وإيقاف المُجرمين الذين يستغلون هذه الفئة لمنافع شخصية، يكتمن بنصوص الدستور حيث  تنص المادة 613 من قانون العقوبات على حبس المتسول الذي يقوم بإصطحاب ولدٍ غير ولده دون السابعة من العمر إلى العمل، وتنص المادة 617 على معاقبة والدي القاصر المشرد بالحبسِ لفترة زمنية لا تقل عن 6 أشهر ودفع غرامة مالية، كمتا تنص المادة 618 على حبس من حفز ودفع قاصرًا إلى التسول لمنفعة شخصية بالحبس من 6 أشهر حتى السنتين ودفع غرامة مالية، ولكن قانونيًا تحفظ حقوق الأطفال المشردين إستنادًا إلى مبدأ حبر على ورق وليس من مبدأ التنفيذ..

إقرأ أيضًا: مريض السرطان يعيش معه ولا يعرفه، قصص من الواقع أخيرًا.. أردت من هذه المقالة أن أسلط الضوء على ملف ظاهرة التسول التي بدأت تتفشى وبكثرة في لبنان، وأعدادهم بالتصاعد وإزدياد، وذلك بظروف بلد يعاني من أزمات عدة منها إقتصادية، وموضة التسول والمتسولين هذه ستعكس وتؤثر في المستقبل سلبًا على حضارة وصورة اللياقة للمجتمع اللبناني بأسره، ومن هنا ينبغي على المسؤولين في الدولة اللبنانية وعلى رأسهم وزارة الشؤون الإجتماعية وبمساعدة المجتمع المدني، أن يتعاطوا بهذا الملف بجدية وعدم الإستخفاف به، وذلك لإنعكاساته الخطيرة والسلبية على المجتمع اللبناني، وإيجاد جميع السبل والحلول لمعالجة هذا الملف قبل إستفحال خطر التسول وعدم القدرة على السيطرة عليه.