مجدداً، عاثت "السمسرات" فساداً في الطبيعة، ونفذت قوى أمر الواقع رغماً عن الواقع المناخي والطبيعة الصخرية ما يسمى بسد "القيسماني" في حمانا. فبعد فضيحة سد بريصا وبسري، ها هي فضيحة جديدة مدوية في عالم السدود، تضرب حمانا في أعالي تلالها، لترسّخ واقعاً مصالحياً "خرّب" الطبيعة "وقعد ع تلتها".

فبدأت بوادر سياسة السدود الفاشلة بالظهور باكرا، الأمر الذي ما كلّ أهل العلم والاختصاص التحذير منه، انطلاقاً من أن السدود "لن تحلّ مشاكل نقص المياه في لبنان بل هي باب كبير لهدر المال العام" وتمرير الصفقات و"فوترة" القروض كما يحلو للقوى السياسية التي وزّعت السدود على المناطق حصصا ذات بعد طائفي وزعاماتي، ففي حساب كل طائفة سد فاشل، وبرسم كل زعيم سد أفشل، وهكذا... المهم هو واجهة تستجدي الهبات وتوزّعها بالطريقة الأسلم على كل من ملكت أيمانهم مشروع سدّ.

وهذا سدّ القيسماني الذي أنهاه المتعهد المقرّب من قوى أمر الواقع في الجبل مؤخراً رغماً عن غضب الطبيعة الذي تفجّر فجوات ومغاور حاولوا تغطيتها موقتاً، مثالاً صارخاً على فشل سياسة السدود، وفساد السدود، التي يتعاطى معها أفرقاء السياسة وكأنها شماعة وحساب وهمي يُجمّع الأموال أكثر من المياه.

فالفشل كان عنواناً عريضاً لسد القيسماني، قبل تنفيذه حتى، وذلك لعدم وجود نبع أو نهر يساعد على تعبئته بالمياه، و"الوضع نفسه لسد بقعاتة كنعان وسد المسيلحة" كما يؤكد الخبير الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي لـ"ليبانون ديبايت". ومياه الأمطار وذوبان الثلوج يُستحيل أن تكون مصدراً كافياً لتعبئته، بسبب "نسبة التبخر العالية" في حمانا نسبةً لارتفاعها، والتي تصل إلى "50 في المئة تقريباً" ، هذا بغض النظر عن طبيعة الأرض التي تسمح بتسرب المياه، بدليل الفجوات التي ظهرت أثناء تنفيذ السد، وحاول المتعهد وضع ما أسماه بـ"العازل" لمنع تسرب المياه، و"هي الفجوات التي ستعاود الظهور بعد فترة بسبب ضغط المياه وعدم وجود مقاومة تحت العازل لفراغ الأرض من تحتها"على حد تعبير الناشط المدني رجا نجيم.

وفي الأرقام، فقد كلّف سد القيسماني المُمول من البنك الدولي والبنك الإسلامي، بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار، ما يقارب الـ30 مليون دولار أميركي، بسعة 800 ألف متر مكعب من المياه (تقريباً)، و"هي الكمية التي ستتبخر صيفاً لتصل إلى ما يقارب الـ550 ألف متر مكعب فقط ". ويعلّق نجيم إصدارالحكم النهائي على السد حالياً، على فترة تمتد بين الأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، فـ(الماي بتكذّب الغطاس). علماً أن الصور التي نشرها الناشط حافظ يحيى على صفحته الخاصة "فايسبوك" تظهر حالياً أن السد لم يجمّع "أكثر من 200 برميل حتى تاريخه، أي ما يُقدر بـ20 ألف ليتر". الأمر الذي يصفه نجيم بـ"غير الطبيعي" بعد كل هذه المتساقطات، والذي يصبّ في خانة شكوك البيئيين ورأيهم منذ بداية تنفيذ هذا السد بأنه "فاشل".

وتضع مصادر محلية مطلعة سد القيسماني في إطار "فوترة الأموال، التي تحصل تحت حجة مشاريع السدود، بينما يتم تقاسم القروض من تحت الطاولة، تحت راية السمسار الكبير (مجلس الإنماء والإعمار)". وعن هذا السد تؤكد المصادر نفسها أنه "من حصة زعيم الجبل" أي النائب وليد جنبلاط "كون المتعهد أنطوان المعوشي مقرّب منه، وأهالي حمانا ما كان بوسعهم رفض مشروع البيك، نظراً لموقعها الجغرافي والديمغرافي".

وعليه، نضع هذا الفشل المدوي والهدر الحاصل في سد القيسماني بعهدة مجلس الإنماء والإعمار والمستفيدين من المشروع، وكل من يفكّر بتنفيذ مشاريع مماثلة... ويبقى السؤال كم سدا فاشلاً يجب أن نبني كي نتعلّم أن سياسة السدود هي (استراتيجية مائية خاطئة) لبلد مثل لبنان، وكم من المال يجب أن نهدر كي نعترف بأن معركتنا مع الطبيعة "بهذه الطريقة الوقحة" لن تجدي نفعاً...؟!

ليبانون ديبايت