عشرة أيام ويولد القانون الانتخابي الجديد»؟! هذا ما يقوله «وعد» يقال إنه «رئاسي» سقط منتصف الأسبوع الماضي على مسار النقاشات الجارية والالتباسات المتتالية حول الصيَغ والافكار الانتخابية. إنقضى ربع فترة الوعد، يعني ذلك أنّ الباقي من الزمن هو أقلّ من أسبوع، وهذا يعني أنّ الاسبوع الطالع حاسم إنتخابياً. وما على اللبنانيين، الذين طال انتظارهم، الّا أن يستعدوا ليشهدوا في نهايته، الولادة الميمونة ويستقبلوا المولود الجديد؟!
 

يقال أيضاً إنّ الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري ملتزمان هذا الوعد، وأن يطلق من قبلهما مباشرة أو نقلاً عنهما، يعني أنه وَعد جدّي ومسؤول ومُرتكز على أساس صلب، وأن يصدق هذا الوعد ويُبرُّ به يعني انّ «المعجزة» حَلّت، وانتشلت الجنين الانتخابي من عمق الانقسامات الداخلية.

الّا أنّ نظرة بسيطة الى أرض الواقع، تظهر انّ هذا «الوعد» في مكان وكل ما عداه في مكان آخر؛ السقوف السياسية ما زالت عالية، وأيّ طرف لم يَحد، ولو قيد أنملة من خلف متراسه وصيغة وتقسيماته التي لا يرضى عنها بديلاً. وها هي العقدة الجنبلاطية تزداد تعقيداً، وآخر تغريدات وليد جنبلاط تنعى الطائف حاضراً ومستقبلاً؟!

«الوعد» ساري المفعول، واللبنانيون يستعرضون علامات الاستفهام والاستفسار التي رسمت حول جديّته ومرتكزاته وأسبابه الموجبة. لم يقتصر رسم هذه العلامات على المراقبين الذين لم يعثروا على ما يبرره، او يجعله قابلاً للترجمة والوفاء به خلال مهلة العشرة ايام.

بل انّ اوّل مَن رسمَ تلك العلامات هم السياسيون الآخرون، وفي مقدمهم المصنّفون «حلفاء الرئيسين» قبل غيرهم. حتى انّ محسوبين على الرئيسين شاركوا في الرسم، والاسئلة تتناسل من بعضها: ما الذي يجري؟ علامَ يستند الرئيسان؟ هل ثمة أمر ما يجري في الخفاء؟ هل هناك صفقة ما؟ وبين مَن ومَن؟ وهل هناك مياه تجري من تحت أرجلنا ونحن لا ندري؟ .. وفي الخلاصة : لا جواب!

أوساط الرئيس عون تجزم بولادة القانون قبل آخر الشهر، والرئيس الحريري قال صراحة: «أصبحنا في المئة متر الأخيرة من التوَصّل الى قانون».

كلام يعكس إيجابية شكلية ولكن من دون ذكر ايّ تفاصيل تترجمها، ولأنّ حقيقة الامر غير مرئية أو ملموسة من الباحثين عنها وعن مدى قابلية «الوعد» للترجمة في المهلة المحددة. فليس أمام هؤلاء سوى ان يلحقوا به الى باب الدار وينتظروا وينظروا الى مدخنة الرئاستين لعلّ الدخان الابيض يتصاعد إيذاناً بولادة القانون.

الوعد المنسوب إلى الرئيسين مُلزم لهما بأن يُعلنا الولادة نهاية مهلة العشرة ايام. ومُلزم لفريقيهما السعي الدؤوب، ليس تجاه إعادة تسويق مقولة انّ قانون الستين صار مرذولاً، وقيامته باتت شبه مستحيلة، بل العمل الحثيث لتحضير منصّة الاعلان لقانون:

- يراعي حقيقة انّ البلد لم يعد يملك قدرة معالجة مرضه المستعصي بالمسكنات.
- لا يتضمن استخفافاً بكلّ ما هو إصلاحي او تغييري.
- لا يتضمن ايّ «مَكيَجة» تجميلية لأيّ صيغ او قوانين متخلفة.
- لا يتضمن ايّ محاولة التفاف على مبدأ التمثيل الشامل لكل المكونات. ولا يعرّض ايّ فئة للغبن او التحجيم او الالغاء او الاقصاء.
- يحدث نقلة نوعية من قانون انتخابي متخلف الى قانون متطور.
- لا يكون سبباً في إدخال البلد في مشكلة لا بل في ازمة سياسية كبيرة لا يستطيع احد ترسيم حدود ارتداداتها، ولا يستطيع البلد وكل مكوناته ان تتحمل نتائجها وتَبعاتها.

ولكن، هل يشعر أحد ما بأنّ الامور سائرة في هذا الاتجاه؟

هناك من يقدّر انّ مرحلة ما بعد نهاية مهلة الوعد هي غير ما قبلها. ما يخشاه أصحاب هذا الكلام، هو إن مرّت الايام العشرة وثبت انّ «الوعد» ليس أكثر من مجرد كلام قيل في لحظة «فَض» اشتباك سياسي بدأت فتائله وصواعقه تتراكم على خط الرئاستين الاولى والثالثة؟

فكيف سيبَرّر الفشل وعدم القدرة على الوفاء بالوعد؟ وهل ثمة من يستطيع ان ينفي انّ الفشل سيصيب الهيبة والمعنويات بشظايا وأضرار؟ وكيف سيتم احتواء الأضرار او استيعابها؟ وكيف سيتم التعاطي مع مرحلة ما بعد الفشل؟

ينطلق هذا السؤال، من صورة الوقائع المتتالية في تلك المرحلة، فبعد أيام قليلة ستحلّ اللحظة الحاسمة المتمثّلة بدعوة الهيئات الناخبة وفق القانون النافذ. ويتوجّب هنا صدور مرسوم بهذا الصدد قبل 90 يوماً على الأقل، من اجتماع الهيئات الناخبة كما تنص المادة (44 - دستور).

وزير الداخلية نهاد المشنوق قال إنه سيلتزم القانون، ورئيس الجمهورية قال انه لن يوقّع المرسوم... فلنأتِ الى التطبيق؛ رئيس الجمهورية حسم خياره النهائي: «لن أوقّع المرسوم وفق قانون الستين».

ووزير الداخلية أمام واحد من خيارين:

- الأول: أن يمتنع عن إعداد مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، الّا انه بهذا الامتناع يرتكب مخالفة قانونية موصوفة، وقد سبق له التأكيد على أنّه لن يرتكبها.

- الثاني: أن يعدّ المرسوم انسجاماً مع موقفه والتزاماً بأحكام القانون، أي القانون النافذ.

الّا انّ للخيار الثاني، على رغم قانونيته، حساسيّته، إذ إنه قد يُحرج رئيس الجمهورية فيبدو وكأنّه إلقاء للكرة في ملعبه، خصوصاً أنّ امتناعه عن
التوقيع قد يفتح البلد على مبارزات في تفسيرات قانونية ودستورية من هنا وهناك، حول صوابية الإمتناع ومدى انطباقه مع الصلاحيات.

وفي مبارزات كهذه، ليس مُستبعداً أن تكون الرئاسة الاولى طرفاً فيها، وبالتالي لن يكون مستبعداً أيضاً أن تصدر من تلك المبارزات شرارات تُشعل مشكلة سياسية، وفي هذه الحال مَن يضمن ألّا تلفح ارتدادات هذه المشكلة وتداعياتها حالة الإنسجام التي تقرر إحياؤها قبل أيام بين الرئاستين الاولى والثالثة، وبين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، بعد التصريحات عالية السقف التي صدرت في الآونة الأخيرة ربطاً بالملف الانتخابي وموضوع المهل، وتحديداً من قبل وزير الداخلية، وأصابت هذا الانسجام بشيء من الإهتزاز؟