التعليق الثاني على كلام الرئيس السابق لمجلس الشورى في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة الدكتور غلام علي حداد عادل في "منتدى المشرق للتعدديّة" يوم السبت الماضي هو في الواقع تعليقان. واحد على ما قاله عن المسيحيّين في منطقة الشرق الأوسط، وآخر على ما قاله عدد من المشاركين في اللقاء. تحدّث عن مسيحيّي بلاده فقال إنها تحترمهم وتحافظ على حقوقهم وتحمي ممارستهم لمعتقداتهم، وإن كنائسهم منتشرة في أماكن وجودهم، كما أن لهم تمثيلاً سياسيّاً في مجلس الشورى. وتحدّث في إيجاز عن ضرورة وحدة موقف مسيحيّي الشرق وعن أهميّة تعاونهم وإيران. بعد ذلك تكلّم عدد من الحاضرين، كان أوّلهم سياسي مخضرم ذكيّ جدّاً ومُلتزم خطّاً سياسيّاً قريباً من "المقاومة الإسلاميّة" وإيران ومن حليفهما اللبناني المسيحي المعروف، فقال إن لديه تحفّظاً وتعليقاً. الأول، وأنا هنا لا أنقل حرفيّاً كلامه، على اعتبار الدولة الدينيّة الوحيدة التي تقيم العدل وتحمي الأخلاق وتحضّ على الحريّة. ذلك أن هناك مُنتمين إلى أديان أخرى يؤمنون بالقِيَم نفسها. واعتماد النظام الديني في دولهم يحرمهم حقوقاً عدّة أبرزها المساواة. فضلاً عن أن هناك غير مؤمنين وغير مُمارسين لشعائر دياناتهم، لكنّهم يتحلّون بالأخلاق والفضيلة، ويؤمنون بالحرية والعدالة واحترام القوانين ورفض الظلم والاستكبار... أما التعليق الثاني فوافق الدكتور عادل على أن "جمهوريّتـه" تحمي المسيحيّين وتعاملهم بمساواة، وأشار إلى ضرورة حماية المسيحيّين في دول المشرق وخصوصاً بعد الذي تعرّضوا له في العراق وسوريا وغيرهما من دوله. وأبدى اعتراضاً على "تعاون إيران وتركيا التي مارست ظلمها على اللبنانيّين والعرب مسيحيّين ومسلمين يوم كانت "سلطنة"، والتي ترعى اليوم إسلاماً متشدّداً تحوّل تكفيريّاً وعنيفاً. ثم تكلّم آخرون فأشاد بعضهم بإيران وموقفها من مسيحيّيها ومسيحيّي المشرق، وبمساعدتها لبنان عبر "المقاومة" على طرد الاحتلال الاسرائيلي منه. وغمز بعضهم الآخر في معرض إشادة مماثلة من قناة دول في المنطقة سياساتها متطرّفة أو تُمارس مظالم. وشدّدوا كلّهم على ضرورة التعاون لحماية مسيحيّي لبنان والمنطقة. وفي نهاية اللقاء طلب رئيس المنتدى من أحد الحاضرين رأيه فأعطاه وكان من شقّين. الأوّل جرى تناوله في "الموقف هذا النهار" أمس حول عدم حاجة الجمهوريّة الاسلاميّة إلى تبرير الثورة التي أسّستها. وقال في نهايته إن دور إيران في المنطقة كبير ولا يمكن إلغاؤه. لكن عليها أن تقتنع بأنها لا يمكن أن تكون اللاعب الوحيد الكبير فيها. أمّا الثاني فكان حول موضوع المسيحيّين. قال إن مسيحيّي لبنان مختلفون عن مسيحيّي المنطقة. فهم في بلادهم مواطنون من الدرجة الأولى ومشاركون في الحياة السياسيّة على قدم المساواة والمسلمين رغم الضمور في "صلاحيّاتهم" وعددهم في آن. في حين أن مسيحيّي المشرق العربي وغيره كانوا دائماً مواطني درجة ثانية أو ثالثة، وتعرّضوا في مناسبات عدّة لـ"الظلم" وفي الأحوال العادية لتهميش سياسي رغم ممارستهم حياتهم الاجتماعيّة والدينية في حريّة. انطلاقاً من ذلك لا مصلحة لمسيحيّي لبنان أن يقودوا حملة مسيحيّي الشرق لاستعادة الحقوق أو الحصول على اعتراف بمواطنيّتهم التامّة. أولاً لأنّهم سيصنِّفون أنفسهم أقليّة غير مساوية للمسلمين اللبنانيّين ويُعرّضون أنفسهم للمجازر و"التهجير" المُمنهج كما حصل في أكثر من دولة. وثانياً لأن "الإسلاميّة" المعتدلة والأخرى المتشدّدة تنموان كالفطر في العالم الإسلامي والعالم الأوسع. وإلى أن يتغيّر هذا الواقع يكون عددهم في المنطقة قد ضعف إلى حد كبير بسبب "التهجير الطوعي". لذلك فإن مصلحة مسيحيّي لبنان حصر عملهم على تكريس مواطنيّتهم المساوية لمواطنيّة مسلميه، وعلى البقاء شريكاً لهم في الدولة والسيادة والسلطة. وذلك مستحيل إذا لم يكونوا مستعدّين لأن يكونوا جسر تواصل بين سنّة بلادهم وشيعتها. ذلك أن وجودهما المتساوي والمتوازن الأول بالديموغرافيا الداخليّة والمحيط العربي السنّي، والثاني بالديموغرافيا أيضاً و"السلاح" ودعم إيران وعدم توقّع زوال خلافاتهما رغم مراحل التعايش التي مرّوا بها منذ قرون، يوفّر فرصة للمسيحيّين لم تتوفر لمسيحيّي العالمين العربي والإسلامي. وأشار المتحدّث أخيراً إلى أن المحافظة على الكنائس والأديرة واحترام ممارسة الطقوس والشعائر المسيحيّة "مهمّة" باعتبار أنها غائبة في دول مُسلمة عدّة. لكنها غير كافية إذ أن المطلوب المساواة التامّة على الأقل في لبنان.
بماذا علّق الدكتور عادل؟ تفهَّم "التحفّظ" المشار إليه أعلاه واغتبط لموقف المسيحيّين الإيجابي من جمهوريّته واعتمادهم عليها.