على رغم عمرها الذي ناهز أربعة عقود، تحرّكت الجمهورية الإسلامية على إيقاع لاطائفي حين كان الأمر يتعلّق بسياسات إقليمية وأجنبية أوسع. بالطبع، ثمة أمثلة سهّلت فيها الخلفيات الطائفية المشتركة علاقات إيران مع كيانات غير دولتية، تجسّدت أساساً بحزب الله والجماعات العراقية. لكن حين نُطِل على سلوكياتها في السياسة الخارجية بكليتها، نجد أن هذه العلاقات ليست كافية لتنم عن أن السياسة الخارجية كانت مسّوقة أساساً بنبض شيعي. مع ذلك، تحوّل السلوك الإقليمي الإيراني منذ الربيع العربي نحو منحى برّاني أكثر طائفية. فالطائفية باتت وسيلة لإيران ومنافسيها السنّة للدفاع عن مصالحهم وأرصدتهم في صراعات المنطقة. ويبدو أن الحرس الثوري، مثله مثل أعدائه، اعتنق هذا المنطق نفسه وبات يرى إلى نفسه وإلى ساحة المعركة السياسية الإقليمية ككل من منظور طائفي. بيانات مسؤولي الحرس الثوري وسلوك منظمتهم، يشهد على مثل هذا التحوُّل، ويشي بأن أجندة الحرس في الشرق الأوسط باتت تحت سطوة النوازع الطائفية (...). هذه البصمات الخارجية للهوية الطائفية تخترق شبكات إيران في سوريا، وتمحضها مظهراً مذهبياً فاقعاً وبائنا. وفي سبيل مساعدة القوات التي تعاني من التمدّد الزائد في سوريا، طوّر الحرس الثوري وحدة تُعرَف باسم لواء "فاطميون" الذي يتكوّن من بين 3 آلاف إلى 13 ألف (التقديرات متباينة) مهاجر أفغاني مقيمين في إيران، أساساً من إثنية الهزارة الشيعية وبعض السنّة الطاجيك. ويُعتبر المهاجرون الأفغان طبقة دنيا في إيران، وهم غالباً من الفقراء ومحدودي التعليم وفرص العمالة. معظمهم لديهم وضعيات إقامة مؤقتة ويصعب عليهم الحصول على أذونات إقامة قانونية. عمليات التجنيد للحرب تفيد من هذه المعطيات، حيث يُمنح الأفغان رواتب شهرية، وأذونات عمل، أو وثائق إقامة. بعضهم تم تجنيده في السجن ومُنح العفو في مقابل الخدمة العسكرية، فيما أتت مجموعات أصغر من خارج إيران، بما في ذلك جاليات أفغانية في سوريا ومن أفغانستان نفسها. وثمة وحدة مماثلة تحمل الاسم لواء "زينبيون"، تضم مئات إلى بضع آلاف (مرة أخرى التقديرات متباينة) شيعي من أصول باكستانية. غالبية هؤلاء يأتون من الشيعة الباكستانيين المقيمين في إيران، خصوصا أولئك المرتبطين بجامعة المصطفى العالمية في قم. لا يُطلَق على الوحدات الأفغانية ولا الوحدات الباكستانية نعت قوات مرتزقة، أو حتى الفرقة الأجنبية، بل تُعرَّف بتعابير دينية. وكان الجنرال المتقاعد محمد علي فلكي، الذي خدم في سوريا، يُشدِّد على هذه النقطة بقوله: "إنهم يقاتلون في سوريا انطلاقاً من التزامهم الإسلام لا العرق... انطلاقاً من التزامهم بالعقيدة الشيعية". هذه الفكرة يُجسِّدها اسما الوحدتين اللتين تبجّلان أفراد آل النبي محمد: فالفاطميون هم أنصار فاطمة بنت الرسول وزوجة أول إمام شيعي علي بن أبي طالب. وكما هو معروف، تحدّر كل الأئمة الـ11 من نسل فاطمة وعلي، ماجعل الأولى أم الجماعة لسماتها القدسية الموقرّة، ورفعها إلى مرتبة لانظير لها في هيكل المذهب الشيعي، شبيهة بموقع مريم لدى الكاثوليك. وبالمثل، اسم "زينبيون" يكرّم بنت فاطمة التي رافقت شقيقها الإمام الحسين في وقفته الأخيرة واستشهاده في كربلاء العام 680. وقد أكسبتها أعمالها البطولية في تلك الحقبة التأسيسية للمذهب الشيعي، مكانة عليّة مقدسة في التقاليد الروحانية الشيعية. توفيت زينب في دمشق، وأصبح مسجد أُقيم تخليداً لذكراها محجّة للشيعة ومركزاً لحي شيعي كبير. قد يرى البعض إلى هذه المظاهر الدينية على أنها مجرد شكليات سطحية. لكن، حتى لو كان الأمر على هذا النحو، يبقى العامل الرمزي مهمّا. فهذه المظاهر لاتوظّف عمداً وعن وعي ذاتي من لدن المشرفين على هذه الشبكات في الحرس الثوري وحسب، بل هي أيضاً عرض غير متحفّظ للمذهبية لايخفى عن أهل السنّة. فقد أُريد لكلا هذين الفيلقين أن يُمثلا جيوشاً شيعية تتكوّن من مقاتلين متّقدي الإيمان بالعقيدة الشيعية. وهذا ماعبّر عنه قائد "فاطميون"، المعروف بالاسم الحركي كربلاء، بقوله: "التكفيريون لا إيمان لهم، والعديد منهم يخشون الموت. لكننا نحن لانخشى الشهادة". الاسم الحركي لهذا القائد مهم أيضا، فبحمله اسم كربلاء، يستعيد ذكرى استشهاد الإمام الحسين، ويربط وشائج قُربى بين المقاتلين وبين أسلافهم من القادة الروحيين. وكما هو واضح، ليس ثمة أي إشارة هنا إلى المنحى الدنيوي. وبالتالي، إذا ما كانت أهداف هذه الشبكات لاطائفية، فهي مُختفية وغائرة تماماً تحت عباءة وملاءة هذه المنظمات. والحال أن المنحى الديني الذي يتحدث فيه الحرس الثوري عن المشاركين في العمليات السورية ينضح بالكثير من المعاني. وربما أوضح إشارة عن العمليات البرية الإيرانية في سوريا، جاءت من شريط تصويري وضعه مخرج أفلام قُتِلَ في كمين نصبته مجموعة متمردة سورية في أواخر آب/أغسطس 2013. وقد بثّت هذه المجموعة الشريط لتقديم الدليل على طبيعة الدور الإيراني في الصراع، ولاحقاً قامت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي. سي) بتحويله إلى فيلم وثائقي قصير. يركّز الفيديو على وحدة تابعة للحرس الثوري تُشرف على ميليشيا سورية تُدعى لواء "السيدة رقيّة" قرب مدينة حلب. والسيدة رقيّة هو الاسم الذي يستخدمه الشيعة لابنة الإمام الحسين التي توفيت وهي طفلة في السجن، بعد سنوات قليلة من استشهاد والدها ودُفنت في دمشق حيث بُنِيَ لاحقاً مسجدٌ تخليداً لها. ومثلها مثل عمّتها زينب، يُستخدم اسمها كمعلمٍ لكلٍّ من الهوية السورية والشيعية ويستثير مشاعر الظلم الذي لحق بوالدها الشهيد، والسجن القاسي لعائلته، والقمع التاريخي الذي أثقل كواهل الشيعة في ظل الهيمنة السنّية بعد مذبحة كربلاء. وعبر تبنيهم لهذا الاسم، يمثّل الحرس الثوري وحلفاؤه السوريون في الشريط المُصوّر على أنهم المدافعون عن السيدة رقيّة حرفياً وشكلياً. إنهم يدافعون عن الأرض التي تحتضن ضريحها ويقاتلون للحفاظ على إرث آل البيت. تعتمد الطريقة التي تصف بها إيران الحرب في سوريا، خصوصا خلال تأبين العسكريين الذين يسقطون هناك، على أسلوب التشبيهات ذات المضامين الدينية. فالجنود الذي يُقتلون هناك يصنّفون شهداء، ويدفنون وفق مراسم تكريم العسكريين الوطنيين والتقديس للأبطال التاريخيين الدينيين الشهداء. ويعلن المسؤولون الإيرانيون أن هؤلاء سقطوا "دفاعاً عن مقام السيدة زينب"، وهو تعبير يُستخدم لتشريف شقيقة الإمام الحسين. وقد بات مسجد السيدة زينب في دمشق، الذي تقول تقاليد الشيعة إنه يتضمن ضريحها، الاستعارة المجازية المركزية لانخراط الإيرانيين وتضحيتهم في سوريا. كما أن القبة الذهبية للمسجد تزيّن النصب التذكارية لمئات العسكريين الإيرانيين والأفغان والباكستانيين الذين قتلوا في المعارك. تصف إيران دورها في الحرب ضد الدولة الإسلامية في العراق بمصطلحات مماثلة. فالعراق هو موطن أكثر الأضرحة الشيعية قداسة، بما في ذلك ضريح الإمام الحسين في كربلاء والإمام علي في مدينة النجف. هذا الإرث التاريخي الديني حوّل العراق إلى أرض مقدّسة للشيعة. وهكذا، حين بدأ الجنود الإيرانيون يُقتلون في العراق بعد فترة قصيرة من تدخُّل طهران لدعم حكومة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي في حزيران/يونيو 2014، وُصفوا بأنهم سقطوا "دفاعاً عن الأضرحة المقدّسة". ومرة أخرى، كانت لهذا البيان مضامين حرفية وشكلية. ففي حين أن إيران دافعت عن حكومة في بغداد، إلا أنها رأت نفسها أيضاً تدافع عن أرض الأئمة المقدسة لحمايتها من جائحات وبلايا الدولة الإسلامية المعادية للشيعة. وهذا رأي تشاطره قادة إيران، بما في ذلك حتى الرئيس الإيراني الحذر والمتحفظ حسن روحاني، الذي تعهّد بأن إيران "لن تألو جهدا" لحماية المقامات الشيعية المقدسة في العراق. وكما مع شهداء إيران في سوريا، حملت الإعلانات والنصب الخاصة بالجنود القتلى في العراق رموز الأضرحة الشيعية في ذلك البلد. في العراق وسوريا واليمن، أقرب حلفاء إيران هم من الشيعة. وتؤلِّف منظمات مثل حزب الله، ومختلف الميليشيات الشيعية العراقية، والكتائب الأفغانية والباكستانية، وقوات التعبئة الشعبية في سوريا المؤلفة في غالبيتها من العلويين، وأنصار الله الزيدية في اليمن، شبكات من الوكلاء لإيران يتشاطرون الهوية المذهبية نفسها. بالطبع، من الصعب على أحد، بما في ذلك السلطات الإيرانية التي تحرص على تأكيد الطبيعة اللاطائفية لعلاقاتها مع هؤلاء، أن ينفي الحقيقة بأن كل هذه الأطراف تتقاسم بالفعل الانتماءات الطائفية نفسها. أكثر من ذلك، يبدو أن هذه العلاقات، خصوصا بالنسبة إلى أعداء إيران ومنافسيها السنّة، تتحوّل إلى حركة شيعية متشددة عابرة للقوميات بقيادة إيران. وهذا لا ينم عن سوء إدراك، بل عن أمر يشعر الحرس الثوري أنه أنجزه، ويوضحه الجنرال فلكي كالتالي: "لقد تم تشكيل جيش التحرير الشيعي، وهو الآن تحت قيادة الحاج قاسم سليماني ويدين بالطاعة لسلطة قائد الثورة (أي المرشد الأعلى). وهذا الجيش يشكّل جبهة واحدة في سوريا، وجبهة واحدة في العراق، وجبهة واحدة في اليمن. القوة البشرية لهذا الجيش لا يمكنها أن تأتي (فقط) من القوات المسلحة الإيرانية، ولذا في أي منطقة تبرز فيها الحاجة إلى هذا الجيش، يتعيّن على شعب تلك المنطقة أن يتنظّم ونحن سنوفَّر له الدعم المناسب." يقول فلكي أيضاً إن جيش التحرير الشيعي يسير على إيقاع القيادة الإيرانية، ويعمل أفراده بشكل جماعي "تحت قيادة أشقائهم في الحرس الثوري"، ويشتركون مع إيران في الأهداف. إنهم يخوضون الجهاد معاً "في زيّ واحد، وتحت ظلال علم واحد، وكمنظمة واحدة، وجبهة واحدة" . وعلى رغم أنه يقال إن هذا الحشد الجماعي يضم في صفوفه سنّة، إلا أن العقيدة الشيعية هي القوة المُحددة لهويته". أجّجت تعليقات فلكي قدراً من الاهتياج في الصحافة العربية والغربية، حيث جرى تسجيل الدمغة الطائفية الواضحة لجيش التحرير الشيعي. وفي مابدا أنه جهد لحصر الخسائر، عمد الموقع الالكتروني الذي نشر مقابلة فلكي، "مشرق نيوز"، إلى إزالة كلمة شيعي من النص الأصلي المُقتبس. وهكذا، وعلى الرغم من تزايد المظاهر الخارجية للطائفية، إلا أن هذا الحذف يؤكد مجدداً أن الحساسية من الظهور بصبغة طائفية، لمّا ينحسر لدى السلطات الرسمية الإيرانية. أفادت جهود الحرس الثوري لتشكيل حركة شيعية عابرة للقوميات، تتألف من جماعات متشددة ونشطاء في الشرق الاوسط الأوسع وجنوب آسيا، من تصلُب الهويات الطائفية منذ اندلاع شرارة الربيع العربي. ثم جاء القمع العنيف للاحتجاجات الشيعية في البحرين والسعودية، الذي ترافق مع الحروب في سوريا ومع صعود نجم الدولة الإسلامية في العراق والتدخل بقيادة السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ليساهم في الشحذ الجماعي للهوية في صفوف شيعة المنطقة. وقد لاحظ توبي ماثييسن Toby Matthiesen هذه الظاهرة المُنبثقة مما وصفه بـ"المجال العام الشيعي"، حيث انتشرت الرموز التي استُخدِمت لإسباغ القداسة على الصراعات في سوريا والعراق "على نطاق واسع عبر وسائط التواصل الاجتماعي والأقنية الفضائية الشيعية.. ما عزّز الهويات الطائفية العابرة للقوميات". والواقع أن الحروب في العراق وسوريا واليمن ليست ببساطة مجرد مواجهات استراتيجية بالنسبة إلى الشيعة المحليين (أو العلويين والزيديين)، بل هي صراعات وجودية لاتعني الهزيمة فيها مجرد خسارة النفوذ ضد الأعداء، كما الحال مع إيران، بل تعني احتمال فقدان القرى، والمدن، أو جاليات مذهبية برمتها على يد أعداء حاقدين ومتعطشين للدماء، أو على الأقل الرضوخ إلى سيطرتهم الوحشية. وقد كان في وسع إيران والحرس الثوري حصد الدعم، لأنه لم يتوفّر للشيعة أي قوة أخرى مستعدة للوقوف إلى جانبهم. على أي حال، الزمن وحده كفيل بتوضيح مصير شبكات الحرس الثوري، لكن الدلائل على نماء الحركة العابرة للقوميات بارزة للعيان. فالجماعات الشيعية الموالية لإيران باتت تعتبر نفسها بالفعل رابطة عالمية تحت السلطة الروحية والسياسية للمرشد الأعلى الإيراني. ومثل هذه الرؤى تبلورت بفعل وحدة الهدف في نزاعات المنطقة التي كلما طالت، كلما أصبحت أكثر صراعات تستند إلى سياسات الهوية. وهذا بدوره سيُعزز وينمّي أكثر الروابط بين إيران ووكلائها.

افشون استوفار جزء من دراسة نشرها معهد كارنيغي