إنهن يقرأن الكتاب، في نهاية "اليوم الخاص"، رائعة صوفيا لورين ومارتشيلو مايستروياني، والمشهد الختامي الذي تظهر فيه المرأة البسيطة، ربة الاسرة المهملة، أنها إكتسبت وعياً جديداً عندما اكتشفت  وجود الحركة الفاشية المتمثلة برمزيها الأسوأ معاً، هتلر وموسوليني ، وقررت التمرد ..  

   المسيرات النسائية المليونية التي جابت شوارع واشنطن وكبرى مدن أميركا والعالم، كانت بمثابة قراءة جديدة في كتاب قديم، يعيد الى الاذهان حقيقة بديهية منسية مفادها أن الفاشية، وعدا عن كونها ظاهرة سياسية واجتماعية عصبوية، هي أيضاً، مرض نفسي يصيب الرجل ويضطهد المرأة، التي كانت مقاومتها غالباً تمثل أول العلاج ، وأول الطريق الى التحرر والتعدد والتنوع.

قبل تلك المسيرات التاريخية بالفعل، كان يغيب عن البال ان الحركة الفاشية التي تتمدد وتتسع الان في مختلف أنحاء العالم ، لا سيما في أميركا وروسيا واوروبا الغربية، وفي العالم الاسلامي، هي إستعادة شبه حرفية للحركات التي إنتشرت في النصف الاول من القرن الماضي..والتي كانت تحتقر المرأة ولا تعترف بأي من حقوقها الطبيعية، وهو ما حفز على ظهورالتيارات النسوية، وعلى بلورة أفكارها التي صارت جزءا من الثقافة العالمية، وعلى تحقيق مطالبها التي تحولت الى قاعدة رئيسية لقيام الدولة المعاصرة في جميع القارات والحضارات.

اليوم، يحكم العالم، أو يتحكم بمعظم شؤونه، زعيمان يتباهيان بنزوعهما الفاشي، وسلوكهما العنصري، ونظرتهما الدونية الى المرأة، بوصفها المومس، أو السهلة المنال، أو الغبية، أو المثيرة للسخرية، أو الضعيفة.. التي يسهل تحطيمها إذا ما تجرأت على طلب الدخول الى نوادي الرجال الخاصة، على نحو ما فعلت ربما هيلاري كلينتون، التي تآمرا عليها معاً.

اليوم يخضع العالم لثقافة عامة، غربية وشرقية، وإسلامية طبعا، تحط من المرأة، تعزلها، تنزع منها مكتسبات نالتها بصعوبة في النصف الثاني من القرن الماضي. ويستوي في ذلك الاميركيون والروس والاوروبيون، مع دولة الخلافة الداعشية مثلا، او مع بقية الولايات الاسلامية ، التي تعيد النساء الى حقبات السبي والرق، الى مرتبة العورة والعار، وتجردهن حتى من حق الوجود.

كانت المسيرات في واشنطن وفي كبرى المدن الاميركية والعالمية، انتفاضة فعلية ترد على إعتداءات سافرة، على إنتهاكات متمادية، على إهانات مستفزة. لم يكن الحشد المليوني الذي بدا كأنه عفوي وتدريجي، بحاجة الى أكثر من نداء عابر، من هيئات نسائية وقيادات نسوية شعرت بان الصمت بات يعني التسليم بعبودية جديدة، او على الاقل بنكسة كبرى في مسيرة العمل النسوي، وأدركت أيضاً أن الوقت قد حان للتحرك، بعدما صار العدو واضحاً. 

كانت مسيرة واشنطن الرمزية المؤثرة  بمثابة المهرجان النسوي المركزي الذي شكل العلامة الفارقة في المواجهة مع الرئيس الفاشي الجديد دونالد ترامب . أعادت المسيرة الى الذاكرة مهرجان وود ستوك الشهير في نهاية الستينات الذي تحول الى منطلق للحملة الشعبية الاميركية المناهضة لحرب فيتنام. مع ان  مهرجان الامس كان أكثر جدية وأرفع مستوى وأقل "هيبية". تقدمت نساء النخبة في السياسة والاجتماع والثقافة والشعر..وطبعا الغناء والموسيقى. إندمجت الاعراق والالوان والاديان لتقدم صورة مختلفة عن أميركا التي اختارت الفاشية. في المهرجان تقدمت السيدة الاميركية الفلسطينية ليندا صرصور الى الصف الاول من رموز الحركة النسائية العالمية. وفيه القيت كلمات تطالب بتحويل الاحتجاج الى مقاومة والى ثورة. وفيه القت شاعرة سوداء شابة، قصيدة مؤثرة تختصر تاريخ العبودية والعنصرية في أميركا..
لم يكن يعيب المهرجان سوى تطفل المغنية (الأباحية) مادونا، التي وإن كانت قد خالفت سلوكها عندما ظهرت للمرة الاولى على المسرح مرتدية ثياباً كاملة، مثلها مثل اي إمرأة طبيعية، لكن ألفاظها النابية وكلمتها الغريبة عن الحب في هذا السياق، بدت نافرة مع بقية الكلمات النسائية الرصينة والتي كانت تؤسس لموجة نسوية أميركية وربما دولية أقوى وأهم من أي وقت مضى..لأن الحركة الفاشية الراهنة أسوأ وأخطر من اي وقت مضى. نساء العالم يقرأن الكتاب، او بالاحرى يكتبنه الان.