لا علاقة لحسابات إيران في سورية بمنطق العلاقات بين الدول والشعوب، وما حققته البشرية في القرن العشرين على صعيد تصفية الاستعمار، بل هي أقرب إلى حسابات القرون الوسطى التي تعتمد معايير لم تعد لها أية قيمة اليوم. ومن ذلك تغيير هوية البلدان بالغزو والتهجير، وإحلال مجموعات سكانية أجنبية وغريبة عن أهل البلد، كما هو حاصل في سورية على يد السلطات الإيرانية. وعلى الرغم مما يتصف به القادة الإيرانيون من دهاءٍ ونفَسٍ طويل، فإن تدخّلهم وتصرفاتهم وسياساتهم في سورية لا تبدو مبنيةً على أسسٍ سليمة من الناحيتين، السياسية والأخلاقية.  حين انخرط الإيرانيون بقوة في قمع الثورة السورية السلمية عام 2011، رفعوا شعارات برّاقة لتغطية مشروعهم للدفاع عن النظام السوري، تركّزت على الدفاع عن المقاومة في وجه إسرائيل. ولكنْ تبيّن تهافُت هذه الشعارات، فانحرفوا بسرعةٍ خياليةٍ إلى مرحلة الدفاع عن المقامات الشيعية، حين انتقلوا في عام 2013 إلى التدخل العسكري المباشر، من خلال إرسال خبراء إيرانيين، وزجّ حزب الله ومليشيات شيعية عراقية وأفغانية وباكستانية في المعركة على كامل الأرض السورية. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد طهران تخفي لجوءها إلى أدواتٍ طائفيةٍ من أجل مشروع استعماري بدأته في العراق ولبنان، وتريد مدّه إلى سورية والخليج واليمن.  تبدو إيران اليوم على عجلةٍ من أمرها لقطف ثمار تدخّلها في سورية. وهذا يكشف، من جهة، أن هناك فواتير مستحقّة على النظام السوري تسديدها، تتعلق باعتماد مالي قديم كانت فتحته طهران له بقيمة 4.5 مليارات دولار. ومن جهة ثانية، هي تريد بناء عدة مشاريع تجعل من وجودها أمراً واقعاً وراسخاً. ولذا، ستباشر قريباً مشروعاتٍ حياتيةً ذات طابع نفعي سريع، مثل شركة الهاتف الخليوي والكهرباء والمياه والزراعة، من دون أن تغفل المشروعات ذات الصبغة الاستراتيجية، مثل المطارات والمرافئ. ولهذا، فتحت للنظام اعتماداً مالياً جديداً بقيمة 3.5 مليارات دولار، وذلك خلال زيارة رئيس وزراء النظام إلى طهران، قبل أيام.  ما بدأت به إيران من مشروعات هو في صلب الخطة التي أطلقتها قبل التدخل الروسي، وهي الدفاع عن "سورية المفيدة"، القائمة على الاحتفاظ فقط بالمدن الحيوية ومناطق الثروات، ولكن التدخل الروسي غيّر من الحسابات، لأنه وضع في حسابه كل الأرض السورية، وهو أمر لم تكن طهران قادرةً على رفضه، لأنها كانت، ولا تزال، في أمسّ الحاجة للدور الروسي الذي ينسب لنفسه إنقاذ نظام دمشق من السقوط، مثلما جاء على لسان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، منذ يومين، عندما قال "لو لم نتدخّل لكانت دمشق ستسقط بعد ثلاثة أسابيع".  لا يقف الاستحواذ الاقتصادي الإيراني على الاتفاقات الخمس التي تم توقيعها خلال الأيام الأخيرة، بل هناك حركة إيرانية دؤوبة، خلال السنوات الست الماضية، على شراء الأراضي والعقارات في العاصمة دمشق، ويتحدّث السوريون باستفاضةٍ شديدةٍ عن امتلاك إيران مساحاتٍ كبيرةً من العاصمة السورية، وبدؤوا في التمدّد نحو المحافظات الأخرى.  السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذا الوضع قابل للديمومة؟ تؤكد كل المؤشرات أن هذا الوضع شاذ جدا، ولا يمكن له أن يستمر، وهو مرتبط، أولاً وأخيراً، بوجود بشار الأسد وبطانته في الحكم، وفي اليوم الذي يغادر هؤلاء، فإن كل الحضور الإيراني يصبح على كف عفريت، وستجري عملياً إعادة النظر فيه، من منطلق القوانين الخاصة بالسيادة. وبالإضافة إلى ذلك، باتت إيران مكروهةً من السوريين، بالنظر إلى ما أشاعته من حربٍ طائفيةٍ في سورية، كلفت مليون ضحية ودمار عدة مدن، وأي حكم سوري يتمتع بقدر من الاستقلالية سيجد أن من واجبه مقاضاة دولة إيران على الأضرار البشرية والاقتصادية التي ألحقتها بسورية.

 

بشير البكر