تمثل معركة حلب الأخيرة نقطة تحول سياسي وعسكري في الصراع الدائر في سوريا، وهو صراع ممتد في سياق مايجري منذ العام 2011 بين نظام الأسد والقسم الأكبر من السوريين الذين خرجت تظاهراتهم، تطالب بالحرية والكرامة من نظام ديكتاتوري مستبد وفاسد، واجه التظاهرات بالقتل والاعتقال، ثم بالتهجير والتدمير بدعم ومشاركة حلفائه وادواته الذين شاركوه في معركة حلب.

ان اسباباً عديدة كانت وراء النتيجة التي تمخضت عنها معركة حلب، في انتصار النظام وحلفائه وهزيمة التشكيلات المسلحة، وإعادة النظام سيطرته على المدينة نتيجة عوامل الأبرز فيها توفر بيئة إقليمية/ دولية، اساسها صمت وتجاهل، وضعف في ردات الفعل عما جرى من عمليات حربية وجرائم، قام بها تحالف النظام بعد ان وفر كل الإمكانيات والقدرات اللازمة للربح، وسط إصرار عاجل للسيطرة على المدينة مهما بلغت التكلفة بهدف فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة في الصراع السوري.

ورغم أهمية العاملين السابقين في نتيجة معركة حلب. فان سياسة وممارسات التشكيلات المسلحة والقوى المدافعة عن المدينة، كانت العامل الأهم في الوصول الى تلك النتيجة بما حملته من نتائج كارثية في المستوى الإنساني، ثم في المستويين العسكري والسياسي. وعودة الى صورة الوضع القائم في حلب قبل معركتها، تؤكد ان خسارة المعركة في مواجهة المهاجمين كان امراً محتملاً. ففي المدينة قوى وتشكيلات مسلحة مشتتة ومتصارعة، فيها جماعات متشددة متطرفة ابرزها جبهة فتح الشام وبقايا جند الأقصى، وتنظيمات اسلامية تتراوح مواقفها مابين القرب من الجبهة الى القرب من الجيش الحر كما هو حال فيلق الشام، إضافة الى مجموعات مسلحة ذات طابع محلي، وقد فشلت الجهود لتوحيد او جمع هذه التنظيمات في أي مستويات عسكرية او سياسية او إدارية، رغم كل مايظهر بينها من مشتركات ابرزها غلبة الطابع الاسلاموي، ووجود قسم كبير منها في جيش الفتح الذي كان قد تأسس بمباركة تركية في وقت سابق ليجمع اغلب تشكيلات الشمال السوري.

ولم يكن الفشل في توحيد او جمع التشكيلات في حلب، الا الوجه الأخر لصراعاتها البينية، ولان كان ذلك هو النهج السائد في علاقاتها، فقد تم تصعيده في معركة حلب، وسط القصف الروسي العنيف والهجمات البرية لقوات النظام والمليشيات. اذ هاجمت جبهة فتح الشام وحلفاء متطرفين لها، مقرات ومستودعات تشكيلات أخرى للاستيلاء على ماتحتويه من سلاح وذخائر وتموين، ليس لنقص عند الأولى بل سعياً للسيطرة وتدمير الآخرين، وقد سجلت وقائع المعركة، انسحابات لبعض التشكيلات من جبهات المواجهة مع العدو في حلب، وترك قلة من المدافعين ليخسروا، كما سجلت وقائع معركة حلب، عزوف وضعف ردة فعل التشكيلات الموجودة خارج حلب المحاصرة عن القيام بدورها في نجدة حلب المحاصرة، والمدافعين عنها بمن فيهم مقاتلين تابعين لنفس التشكيلات الموجودة خارج الحصار.

لقد عكست ممارسات التشكيلات المسلحة في خلال المعركة، بعضاً من جوانب نهجها السياسي، في إصرارها على التشتت ورفض العمل المشترك، وتغليب الخلافات والصراعات والعصبوية التنظيمية، والتشدد السياسي وممارسته في التعامل مع السكان، والغرق في شعارات، لاترتبط بالواقع، ولعل ذلك شكل من اشكال انفصال اغلب تلك التشكيلات عن الواقع وعيشها في سياق أوهام عن نفسها وعن الآخرين، ولاشك ان موقفها من المعارضة السياسية ومنها الائتلاف (بعض النظر عن مشاكلها) هو تعبير عن الانفصال عن الواقع، كما ان علاقتها مع أهالي حلب الذين يفترض انهم يمثلون حاضنتها الاجتماعية هي تعبير آخر، حيث لم تكن تلك العلاقات في المستوى المطلوب، ولم يتم بذل جهد جدي لتحسينه. ففي الوقت الذي كان أهالي حلب، يعانون من الحصار والبراميل والأوضاع الصحية الصعبة، ونقص الاحتياجات الغذائية، التي كان اغلب التشكيلات يحتفظ بالكثير منها في مستودعات، استولت عليها قوات النظام بعد سيطرتها على المدينة. لقد عجزت التشكيلات المسلحة ولأسباب كثيرة ومتداخلة من تشكيل إدارة ثورية للمدينة، بل لعبت دوراً مؤثراً في افشال المساعي السياسية والمدنية لتوحيد الجهود، وتحصين المدينة، وجعل حياة سكانها افضل من خلال إصرارها على المحاصصة في المجالس المشتركة، وفي السيطرة على المفاصل الإدارية والخدمية، بل وخلق كيانات إدارية وخدمية تخصها، ولم تكن ممارساتها تخلو من فرض الخاوات، والغرق في الفساد والمحسوبية وسط ضبابية دينية وتعصب تنظيمي.

ان معركة حلب، كما بدت لكثيرين، كانت محكومة بالنتيجة، التي صارت اليها في انتصار حلف النظام وهزيمة التشكيلات المسلحة استناداً الى امرين اثنين، أولهما الاختلال في موازين القوى المسلحة بين الجانبين، وهو اختلال يميل كثيراً لصالح حلف النظام من حيث التسليح ونوعيته وتعاون اسلحته، ومن حيث الامداد والتأمين المادي من الذخائر والتموين والمال، ومثله الاختلال العددي ومستواه التدريبي والتنظيمي، والثاني، هو الحصار المحكم الذي تخضع له احياء حلب الشرقية، وقد كان في الأساس ناتج اختلالات ميزان القوى، غير ان ذلك ماكان يمكن يتم بهذه السرعة وبالنتائج التي تمخض عنها، لو كان للتشكيلات المسلحة سياسة وممارسات أخرى أساسها التعاون، ان لم يكن الوحدة، والتعاون بدل الصراع والتناقض، والانفتاح على الحاضنة الاجتماعية وتقويتها بدل اضعافها، وقد جعلت سياسات وممارسات التشكيلات المسلحة بمافيها من أخطاء وخطايا، معركة حلب تفتح باتجاه واحد ووحيد وهو الهزيمة.

ان الأخطر في نتائج المعركة، ان صوت المراجعة والنقد داخل التشكيلات المسلحة وفي عموم المعارضىة بدا ضعيفاً، الامر الذي يعني ان حس التصحيح، وتجاوز سلبيات المرحلة الماضية ليس في البرنامج المقبل، والأخطر ان البعض يروج لتحسن نسبي في موقع التشكيلات المسلحة في ضوء جلوسها مقابل الروس في مفاوضات انقرة بنتائجها الملتبسة، واحتمال ذهابها للتفاوض في استانة، متجاوزين فكرة كان نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس طبقوها عشرات المرات في مفاوضات المصالحات والهدن المحلية في المناطق المحاصرة داخل سوريا، وادت لخسارات هائلة للسوريين من مدنيين وعسكريين ومكاسب كثيرة للنظام وحلفائه.