جوابا على سؤال في الحوار المفتوح
 

 السيد جاسم أحمد المحترم  انتهت مرحلة نهوض الحزب الشيوعي اللبناني عام 1983 ودخل في مرحلة أزمته تزامنا مع بداية ظهور الأزمة في الاتحاد السوفياتي، لكن الأسباب المباشرة لأزمة الحزب كانت ذات طبيعة مختلفة متعلقة بالدرجة الأولى باصطدام مشروعه الوطني مع -حلفائه - في حركة التحرر الوطني، وشركائه في النضال ضد العدو الصهيوني، فضلا عن وقوف الأنظمة العربية كلها موقفا واحدا معارضا للتغييرات الديمقراطية التي طرحها الحزب في البرنامج المرحلي للأحزاب والقوى الوطنية (الحركة الوطنية اللبنانية). تولى النظام السوري ضبط -الحركة الثورية- في لبنان وضبط إيقاعها على استراتيجيته للمواجهة مع العدو الصهيوني، القائمة على تأجيل المعركة صونا للنظام الأسدي الأبدي (الأسد إلى الأبد) من أي أذى. انفجرت الأزمة أواخر الثمانينات لهذا السبب بالذات، لكن الانفجار تزامن مع انفجارها في موسكو، ما جعل الاعتقاد يسود بأن أسباب الأزمة خارجية، وإذا كان انهيار التجربة الاشتراكية ناجماً عن مؤامرة امبريالية، كما توهمت الأصولية الشيوعية، بناء على مقتضى هذا الوهم، لم يكن للحلفاء المحليين أي دور في الأزمة، وتركز الاتهام على دور الامبريالية وحلفائها، واستتبع ذلك مزيدا من التضامن مع من يزعم المواجهة مع الامبريالية والصهيونية في العالم العربي، فتعمق التحالف مع قوى الممانعة المرتبطة بالنظام السوري.  في هذه المرحلة من الأزمة حصل انقلاب(سلمي) داخل الحزب على قرارات المؤتمر السادس، وتولت قيادة جديدة إدارة شؤون الحزب، وكان قرار جورج حاوي بالاستقالة من القيادة تعبيراً عن أمرين، الأول إعلان نهاية المشروع الوطني الديمقراطي الذي طرحه الحزب بقيادة جورج حاوي في مؤتمري 68 و73 تحت عنوان لبناني - في سبيل حكم وطني ديمقراطي في لبنان يفسح في المجال أمام الاشتراكية- وعنوان عربي طرحه مؤتمر 79 تحت عنوان، -نحو حركة تحرر وطني من طراز جديد- . الثاني عدم اقتناع الحزب بسقوط الشعارين والبرنامجين وباستحالة تحقيقهما، بل هو لم يقتنع بأن هذا السقوط ناجم عن اصطدامهما لا بالامبريالية والصهيونية والاستعمار، بل بالحلفاء في حركة التحرر الوطني، الأنظمة العربية التقدمي منها والرجعي، والأحزاب القومية والدينية.( في تلك المرحلة مني الحزب بخسائر كبيرة، عشرات من قياداته ومناضليه سقطوا برصاص - أخوي رفاقي-) مع ذلك أصرت القيادات المتعاقبة على الحزب مع ثلاثة أمناء عامين على البحث عن مخارج من فتات البرامج القديمة وعلى التحالف مع القوى التي أعاقت تنفيذ الشعارين والبرنامجين المطروحين في مرحلة النهوض. بات الحزب في هذه المرحلة الممتدة من أول التسعينات حتى اليوم يغرف من معين تاريخه النضالي العريق، وتحول هذا النهج إلى مزيد من الغرق في -الأصولية- ، حتى أن بعضا من اللاوعي النضالي لم يكن يصدق أن الاتحاد السوفياتي انهار ولم يصدق أن روسيا أيام بوتين هي غيرها أيام الأممية المنهارة. من المؤتمر السابع وحتى الأخير كانت قيادة الحزب تدير الأزمة الداخلية من غير أن يكون له قضية مستقلة، وبات على الحزب أن يناضل من أجل قضايا سواه، الدفاع عن -المقاومة- التي كان له فيها باع طويل، لكنها لم تعد مقاومته، بل صارت مقاومة ضده، والدفاع عن النظام السوري بحجة أنه يدعم المقاومة، وبحجة أنهما ( النظام السوري والمقاومة ) يمثلان رأس الحربة القومية ضد العدو الصهيوني والامبريالية، لكن هذا التحالف معهما كان حباً من طرف واحد، دفع الحزب بسببه من هيبته ونفوذه وسمعته وموقعه وتاريخه، وأفدح الأثمان دفعها حين وقوفه إلى جانب النظام السوري بعد خروجه من لبنان ثم ملحقاً بحلفاء النظام عند اندلاع ثورة الربيع العربي في سوريا ومدافعا عن السياسة الإيرانية بحجة أنها في مواجهة الامبريالية والصهيونية. المؤتمر الأخير خطا خطوة إلى الأمام لكنها خطوة متعثرة. فهو حقق مبدأ التداول السلمي للسلطة في الحزب، لكن ذلك حصل بتسوية بين فريقين في السلطة يعتقد كل منهما أن أزمة الحزب أزمة تنظيمية لا علاقة لها بالشأن السياسي. ولهذا فقد سلكت القيادة الجديدة نهجاً أكثر مرونة في إدارة الحوار بين الشيوعيين واليساريين، لكنه حوار يعيقه موقف سياسي لم يغادر موقعه السابق كحليف لقوى الممانعة. كان من نتائج ذلك تنفيس الاحتقان الذي بلغ ذروته قبل المؤتمر ثم تراجع بصورة ملموسة إثر إخراج المسؤولين المباشرين عن الاحتقان من قيادة الحزب. من بداية الأزمة طرحنا على قيادة الحزب ما نطرحه الآن على اليسار اللبناني وعلى اليسار العربي، وخلاصة طرحنا هو إعادة النظر بسياسات اليسار التي كانت مبنية على أساس الفرضية السوفياتية القائلة إن هذا العصر هو عصر الانتقال إلى الاشتراكية، وضرورة البحث عن فرضية جديدة بعد انهيار الاشتراكية المحققة والمعسكر الاشتراكي والدول الدائرة في فلكه أو في الفلك الصيني، وخلاصة فرضيتنا هي التالية: إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي مهمة ملحة، لكنها لا تقع على عاتق اليسار اللبناني وحده ولا العربي، بل هي مهمة كونية على المفكرين اليساريين في العالم، ولاسيما منهم الماركسيون، أن يعيدوا صياغة المشروع الاشتراكي ، وهذا قد يتطلب عقودا. بانتظار ذلك على اليسار في كل كيان وطني أن يتولى صياغة قضيته الخاصة، انطلاقا من الظروف الملموسة في كل بلد، وقد ظهر لنا من التجربة اللبنانية أن الأنظمة في العالم العربي كله، من محيطه إلى خليجه، وضعت شعوبها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تأبيد الاستبداد بصيغته الجمهورية الوراثية أو بصيغة السلالات الملكية إما الحروب الأهلية. قلنا ذلك قبل اندلاع أحداث الربيع العربي بأكثر من عقدين. وبناء على ذلك تغدو المهمة الملحة هي البحث عن الخيار الثالث البديل عن هذين الخيارين الخطيرين على مستقبل الأوطان العربية. البديل الوحيد الممكن في ظل الظروف الدولية الراهنة والتي ستستمر طويلاً، هو مواجهة الاستبداد وحماية الوطن من ويلات الحرب الأهلية، ولن يتم ذلك إلا بقيام دولة تنظم التنوع الاثني والطائفي والديني والسياسي واللغوي( وهو تنوع موجود داخل كل وطن عربي) بدل أن تفجره بالحروب الأهلية على غرار ما حصل في لبنان والصومال والسودان والجزائر، وأخيرا في ليبيا واليمن وسوريا). الدولة الديمقراطية هي الحل، دولة القانون والمؤسسات والكفاءة وتكافؤ الفرص والحريات والعدالة.