يُختَتَم العام 2016 وروسيا في أوج انخراطها الشرق أوسطي، بحيث بات حضورها في سوريا وشرق المتوسط علامة بارزة على مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة. وبالرغم من أن الشهر الحالي حمل مآسيَ شخصية روسية مثل عملية الاغتيال الجبانة التي تعرض لها السفير الروسي في أنقره أندريه كارلوف، وسقوط الطائرة الروسية الفاجع وعلى متنها الأوركسترا الروسية في البحر الأسود، إلا أن الصورة الكبرى تقول إن مكاسب روسيا السياسية من تدخلها في الأزمة السورية تفوق بمراحل خسائرها البشرية المذكورة، حتى الآن على الأقل. انطلقت تحليلات عقب عملية الاغتيال الجبانة للسفير الروسي في تركيا من فكرة أساسية مفادها أن الحرب العالمية الثالثة على وشك الوقوع، حيث استحضر المبشرون بالحرب العالمية الثالثة حادثة اغتيال أرشيدوق النمسا من طرف طالب صربي قبل أكثر من مئة عام، والتي اندلعت على أثرها الحرب العالمية الأولى. والحال أن الملابسات مختلفة تماماً، وأن الخاسر الحقيقي من عملية الاغتيال ليس روسيا، بل تركيا وصورتها الدولية. ولا يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكتفياً بالانخراط في سوريا فقط على أهميتها الفائقة لروسيا، إذ يتطلع إلى شراكات وحلفاء في العراق وليبيا مستغلاً في ذلك الانكفاء الأميركي من ناحية وأوضاع هاتين الدولتين من ناحية أخرى؛ فضلاً عن علاقاته المتميزة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. إجمالاً، يبدو الشرق الأوسط من المنظار الروسي الساحة المثلى، وفقاً لحسابات الأرباح والخسائر، لعودة روسيا إلى الساحة الدولية كقوة عظمى.

الشرق الأوسط بعيون روسية
تملك روسيا تاريخاً من العلاقات المتميزة مع دول الشرق الأوسط، إلا أن الانكفاء الذي صاحب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق وظهور العصر الأميركي ابتداء من العام 1991 لم يسمحا لموسكو سوى بالانهماك في قضاياها الداخلية. ومع مرور الوقت وانخراط واشنطن العسكري المرهق في أفغانستان منذ 2001 والعراق منذ 2003 فقد بدت السيطرة الأميركية على المنطقة مكلفة للغاية. ومع انتخاب باراك أوباما العام 2009 ظهر واضحاً أن واشنطن تفضل القيادة من الخلف إن أمكن وعدم التورط المباشر في صراعات المنطقة، وهو ما فتح ثغرة لموسكو كي تنفذ منها لتملأ الفراغ. وفي الوقت الذي يظهر فيه لكل ذي عينين انحسار النفوذ الأميركي في المنطقة والعالم، تبدو موسكو في شرق المتوسط قوة بازغة تمتلك علاقات مؤثرة مع القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة. تواجه الدولة في الشرق الأوسط بمستويات مختلفة قضايا تتعلق بالبقاء المجرد والبديل التنظيمات الإرهابية المسلحة مثل «داعش»، لذلك يتعين على موسكو ــ وفقاً لنخبتها ــ التصدي لتلك التنظيمات في الشرق الأوسط حماية لروسيا وأمنها القومي. يعي بوتين حدود قدراته الاقتصادية والتكنولوجية مقارنة بتلك الأميركية، لذلك فهو يسد الثغرات التي تركتها أميركا خلفها من دون أن يضطر لمنازلتها مباشرة، وهنا وجه الاختلاف في الطابع الصراعي الروسي ــ الأميركي راهناً مقارنة بالحقبة السوفياتية.

سوريا محور سياسة موسكو الشرق أوسطية
منع التدخل الروسي في سوريا بشهر أيلول من العام 2015 انهيار التوازنات على الأرض لمصلحة المعارضة المسلحة والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لها، وتدحرج الأمر بمرور الوقت وصولاً إلى استعادة النظام السوري لمدينة حلب ثاني المدن السورية أهمية بعد دمشق. تتمركز القوات الروسية في سوريا في مناطق متنوعة أبرزها ميناء طرطوس البحري وقاعدة حميميم الجوية، التي تعد أهم مراكز القيادة والسيطرة الروسية في شرق المتوسط والمنطقة. تتمتع سوريا بمكانة خاصة في الاستراتيجية الروسية للشرق الأوسط، حيث يشكل التدخل العسكري والحل السياسي المرتقب الأداتين الممتازتين لروسيا كي تبرر حضورها العسكري والسياسي في المنطقة. على ذلك تصارع روسيا الوقت كي تؤمن حلاً سياسياً يضمن مصالحها في سوريا من جهة، ويؤمن موافقة الأفرقاء الإقليميين اللازمة لإنجاح الحل السياسي من جهة أخرى. وفي خضم الصراع في سوريا وعليها، تظهر أدوار إقليمية وتتقلص أخرى، وتحل عداوات محلية محل أخرى وهو ما يفسر التقارب الروسي ــ التركي الراهن بعد مرحلة العداء السابقة. رأينا قبول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في اجتماع موسكو الذي أعقب عملية اغتيال السفير الروسي بيوم واحد، علانية بترتيب الأولويات الروسي ــ الإيراني، ومفاده أن أولوية مكافحة الإرهاب في سوريا تتقدم على مسألة بقاء بشار الأسد في السلطة. وفي غالبية الأحوال، مَن يعتقد أن روسيا سترحل من شرق المتوسط بعد فرض حل سياسي في سوريا يبدو واهماً، فهناك مسائل النفط والغاز في شرق المتوسط وإعادة الإعمار في سوريا المترافقة حكماً مع الحل السياسي، وكلها قضايا تهم روسيا واقتصادها وحضورها في المنطقة.

الخلاصة
سيتصاعد الحضور الروسي في المنطقة على الأرجح خلال العام المقبل 2017، بعدما نجحت موسكو إلى حد كبير في تأكيد مكانتها كقوة عالمية عبر الشرق الأوسط؛ وبعدما خلقت واقعاً جديداً في سوريا وشرق المتوسط. ستواجه موسكو خلال العام الجديد تحديات جديدة أولها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب وتعيين طبيعة سياساته في المنطقة، وثانيها نجاح موسكو في توفيق أوضاعها مع القوى الإقليمية المتصارعة على النفوذ في الشرق الأوسط.