شر البليّة ما يُضحِك. والضحك هنا هو تعبير عن الألم لا عن الفرح.
 

وقد أصابتني نوبة أو أكثر منه السبت الماضي جرّاء مواقف من التطوّرات السوريّة المأسويّة الأخيرة اتخذها مسؤولون دوليّون وأُمميّون وعرب وممثل المعارضة السورية، وعبّر عنها إعلاميّون ملتزمون مع أطراف الحرب في سوريا على تناقضهم. نوبة الضحك الأولى أصابتني عندما قرأت في صحيفة عربيّة محترمة، تتبنّى "الموقف السوري" لدولتها من الذي يجري في حلب، خبراً عن اجتماع خمس دول غربيّة وأربع دول عربية وتركيا والاتحاد الأوروبي، وتركيا والمعارضة السوريّة في باريس. المضحك لم يكن الاجتماع بل كان إطلاق الصحيفة اسم "النواة الصلبة" على الدول المشاركة فيه. فهذه التسمية في غير محلّها رغم قوّتها العسكرية والاقتصاديّة. ذلك أن تاريخ تعاطي الدول الغربية مع الأزمة المفتوحة في سوريا منذ نشوئها بقيادة أميركا لم يكن فيه شيء من "الصلابة". فهذه الأخيرة وبرئاسة باراك أوباما لم تكن لديها سياسة سورية واضحة الأهداف ووسائل تحقيقها. كان موقفها عدم التدخّل العسكري المباشر والكبير. تسبّب ذلك بتسهيل تدخّل إيران الإسلاميّة إلى جانب نظام الأسد مع حلفائها في المنطقة، ثم بتسهيل تدخّل روسيا عسكريّاً فيها عندما اتّضح عجز طهران عن منع انهياره وسياسيّاً في المنطقة كلّها. ورغم الصفعات التي تلقّتها أميركا والاستخفاف الذي صار مرافقاً لنظرات العرب والمسلمين بسنّتهم وشيعتهم إليها فإنها بقيت على سياسة "اللاسياسة"، واكتفت بالعمل مع روسيا لتسوية سياسية شاملة أو تسويات لمعارك موضعية. لكن التكافؤ كان غائباً. إذ تفوّق لافروف الروسي على كيري الأميركي. ومن سمع الأخير من العرب يقول للتلفزيون السبت الماضي ما معناه "أن انتصار الأسد في حلب صار واضحاً وأن المطلوب منه إظهار بعض الرحمة"، ضحِكوا وبكوا إذ رأوا مصير حلفاء أميركا من الأنظمة أو من الشعوب في المنطقة. نوبة الضحك الثانية من المواقف الأوروبيّة العالية بقيادة فرنسا هذه المرّة، رغم أن بريطانيا اتخذت مواقف حادّة قبلها في اجتماع قمة "مجلس التعاون الخليجي" الأسبوع الماضي من إيران بواسطة رئيسة حكومتها. والسبب معرفة العالم أنها من دون أميركا لا تستطيع أن تنجز عملاً عسكريّاً ذا بُعد دولي، كما لا تستطيع أن تحمي نفسها. وهي، أي أوروبا، تحاول الآن وضع استراتيجيا دفاعية مستقلّةـ، وفي الوقت نفسه تبحث لترى إذا كان الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب سينفذ تهديداته لها. ونوبة الضحك الثالثة من الدول العربيّة والإسلاميّة المشاركة في اجتماع "النواة الصلبة"، والرابعة من رئيس الهيئة العليا للمفاوضات المعارض السوري رياض حجاب. فالأولى لم تستطع أو لم تخطّط منذ الـ 2011 لتوحيد معارضة الداخل في سوريا، ولتأطيرها بعد تعسكر الثورة تنفيذاً لخطة الأسد، في هيكلية عسكرية وإدارة مدنية للمناطق "المحرّرة". ولم تسعَ إلى توحيد معارضة الخارج ثم جعلها ومعارضة الداخل واحدة. لا بل لم تشأ ذلك إذ تصارعت في ما بينها ومع تركيا على استقطاب "الخارج" المعارض فقسمته وفرطته، وعلى استقطاب المنظّمات المتطرّفة حتى الارهاب وتقديم الدعم اللازم لها. ولذلك أثار حجاب نوبة ضحك عندما بشّر السوريين بعد خمس سنوات من القتل والدمار بأن "المعارضة" قرّرت "إنشاء جيش وشرطة محلية". إنشاء جيش أين؟ وهي ما فعلت ذلك يوم كانت تسيطر على 80 في المئة من الأرض السورية، فكيف تفعله الآن؟ وشرطة محلية لإدارة أي مدينة أو محافظة بعدما صارت "سوريا المُفيدة" أو الحَضَرية في يد الأسد وإيران وروسيا، وبعدما صارت الأراضي خارجها تحت سيطرة تركيا والأكراد وأميركا... أما نوبة الضحك الخامسة فأصابتني بها محاولة الإعلام اللبناني اعتبار ما يجري في سوريا سقوطاً لمشروع تغيير الأنظمة في المنطقة الذي تتبنّاه أميركا. علماً أن أميركا بوش كانت صاحبة مشروع كهذا. أما أميركا أوباما فلم تكن معه. ولو كانت لربما حسمت الموضوع السوري منذ بدايته. علماً أنها يومها شعرت بالارتياح عندما أبلغها الأسد بواسطة الديبلوماسيّين وقبل بدء "الثورة" عليه أن ما جرى في مصر يستحيل أن يحصل في سوريا، وصدّقته. أما نوبة الضحك الأخيرة، فانطلقت عندما دُعي اللبنانيّون وبإيجابيّة ولطف واعتدال أخيراً إلى التعقّل والهدوء وتأليف حكومة. إذ رافقت دعوتهم هذه إشارة إلى أن التصلّب لا يفيد لأنهم وبعد سنتين ونصف سنة عادوا إلى اختيار "الجنرال" ميشال عون رئيساً للجمهورية. ويعني ذلك إبلاغهم أن عليهم الاقتناع بأن لبنان دخل مرحلة جديدة وبأن يتصرّفوا على هذا الأساس.